في القرن الثامن الميلادي، كانت الرسالة التي تخرج من دمشق تصل إلى أطراف الدولة الأموية البعيدة بسرعة لافتة، يحملها فرسان يستبدلون خيولهم في محطات منتشرة على طول الطريق. وقد كان هذا النظام، المعروف باسم "البريد"، من أعظم إنجازات الإدارة في الدولة الإسلامية المبكرة. وبعد سبعة قرون، وعلى بُعد نصف الكرة الأرضية، واجهت حضارة أخرى التحدي نفسه، أي حكم أرض شاسعة، لكنها حلّته بطريقة مختلفة تماماً. فلم يكن لدى الإنكا في أمريكا الجنوبية خيول ولا عربات بعجلات ولا أبجدية مكتوبة، ومع ذلك شيّدوا واحدة من أروع شبكات الطرق في تاريخ البشرية: "قاباك نيان".
إمبراطورية مبنية على امتداد الجبال
في ذروة قوتها مطلع القرن السادس عشر، امتدت إمبراطورية الإنكا، التي كان أهلها يسمّونها "تاوانتينسويو" أي "الأقاليم الأربعة مجتمعة"، نحو أربعة آلاف كيلومتر على طول الجانب الغربي من أمريكا الجنوبية. وشملت أراضيها أجزاء مما يُعرف اليوم بالبيرو والإكوادور وبوليفيا وتشيلي والأرجنتين وكولومبيا. أما العاصمة كوسكو فكانت تقع عالياً في جبال الأنديز بالبيرو، على ارتفاع يزيد على 3300 متر فوق سطح البحر.
وكان حكم أرض بهذا الطول وهذه الوعورة تحدياً هائلاً. فقد ضمت الإمبراطورية صحارى ساحلية شديدة الحرارة، وهضاباً مرتفعة قارسة البرودة، ووديان أنهار عميقة، وأطراف غابات الأمازون المطيرة. وكان جواب الإنكا على هذا التحدي شبكة طرق موحدة تربط كل إقليم بالعاصمة كوسكو، بحيث تبقى أوامر الحاكم وأخبار الأقاليم في حركة دائمة.
طرق فوق سقف العالم
تُقدَّر أطوال "قاباك نيان"، ومعناها بلغة الكيتشوا "الطريق العظيم" أو "الطريق الملكي"، بنحو ثلاثين ألف كيلومتر، بل يذكر بعض الباحثين أرقاماً أعلى من ذلك. وكان لها مساران رئيسيان: أحدهما يمتد على طول الساحل، والآخر يخترق المرتفعات، وتربط بينهما طرق فرعية كثيرة.
وكانت الهندسة مدهشة بكل المقاييس. فقد نحت بنّاؤو الإنكا الدرج في المنحدرات الصخرية، ورصفوا الطرق بحجارة متقنة التعشيق، وشقّوا قنوات لتصريف مياه الأمطار الغزيرة، وأقاموا جدراناً تحمي الطرق من الانهيارات. وكانت بعض المقاطع ترتفع إلى أكثر من أربعة آلاف متر. وفي عام 2014 أدرجت منظمة اليونسكو "قاباك نيان" في قائمة التراث العالمي، بوصفها موقعاً مشتركاً بين الدول الست التي تعبرها.
التشاسكي: عدّاؤون حملوا إمبراطورية
على هذه الطرق عمل "التشاسكي"، وهم عدّاؤون شبان ينقلون الرسائل والأغراض الصغيرة عبر الإمبراطورية بالتناوب. وقد أُقيمت محطات تُسمّى "تشاسكيواسي" على مسافات قصيرة بعضها من بعض على طول الطرق الرئيسية. فكان العدّاء ينطلق مسرعاً حتى المحطة التالية، فيسلّم رسالته، ويواصل العدّاء التالي الرحلة فوراً دون توقف.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن التشاسكي كانوا قادرين على نقل الرسالة نحو 240 كيلومتراً في يوم واحد. وذكر المؤرخون الإسبان أن السمك الطازج القادم من ساحل المحيط الهادئ كان يصل إلى حاكم الإنكا في كوسكو خلال نحو يومين، وهي رحلة كانت تستغرق من المسافر على قدميه أضعاف هذه المدة.
والتشابه مع نظام البريد الإسلامي لافت للنظر. ففي عهد الأمويين والعباسيين، اعتمد البريد على محطات يستبدل فيها الفرسان خيولهم المتعبة بأخرى نشيطة، وكان هناك موظف يُسمّى "صاحب البريد" يشرف على الشبكة ويرفع التقارير عن أحوال الأقاليم إلى الخليفة. وكان للنظامين الهدف نفسه: أن تعرف الحكومة المركزية ما يجري في الأراضي البعيدة بسرعة وموثوقية.
عُقَد بدلاً من الحروف
كيف كان الإنكا يرسلون الرسائل دون كتابة؟ لقد استخدموا "الكيبو"، وهو نظام من الحبال الملونة تُعقد عليها عُقد في مواضع مختلفة. وكان نوع العقدة وموضعها ولون الحبل تسجّل الأعداد والمعلومات، مثل إحصاءات السكان والبضائع المخزّنة والضرائب. وكان موظفون مدرَّبون يُسمَّون "كيبوكامايوك" يتولون صنع هذه السجلات وقراءتها.
وقد يقدّر القارئ العربي المفارقة هنا. فبينما كان العلماء في بغداد وقرطبة يملؤون المكتبات بالكتب والمخطوطات، أدار الإنكا واحدة من أكبر دول عصرهم باستخدام حبال معقودة. ولا يزال الباحثون حتى اليوم يحاولون أن يفهموا على نحو كامل ما إذا كان "الكيبو" يسجّل اللغة أيضاً، لا الأعداد فقط.
نُزُل ومخازن وجسور من العشب
على امتداد "قاباك نيان" انتشرت "التامبو"، وهي نُزُل ومخازن على جوانب الطرق، يستريح فيها الموظفون والجنود والمسافرون، ويجدون فيها الطعام والماء والمؤن. ويشبه دورها إلى حد كبير دور الخانات والقوافل السراي التي انتشرت على طرق التجارة في العالم العربي والإسلامي، فآوت التجار والحجاج والقوافل، ووفرت لهم الأمان والراحة في رحلاتهم الطويلة.
ومن أجمل ما بقي من هذا النظام جسر "كيسواتشاكا" في منطقة كوسكو بالبيرو. فهو مصنوع بالكامل من العشب المجدول، وتعيد مجتمعات الكيتشوا المحلية بناءه كل عام بتقنيات توارثتها عبر القرون. وفي عام 2013 أدرجت اليونسكو المعارف والتقاليد المرتبطة بتجديده ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.
على خطى التاريخ
لا يزال بإمكان المسافرين اليوم السير على مقاطع من "قاباك نيان". وأشهرها "درب الإنكا" المؤدي إلى ماتشو بيتشو، لكن هناك مسارات أخرى أهدأ في البيرو وبوليفيا والإكوادور تمنح الزائر مناظر خلابة وإحساساً حقيقياً بعمق التاريخ.
وبالنسبة للمسافر العربي، فإن استكشاف طرق الإنكا يقدّم مرآة رائعة لتراثنا. ففرسان البريد في العهد الأموي وعدّاؤو التشاسكي عند الإنكا لم يعرف بعضهم بعضاً قط، لكنهم جميعاً خدموا الحاجة الإنسانية ذاتها: وصل الناس ببعضهم عبر المسافات الشاسعة. وحين تقف على طريق حجري قديم في أعالي الأنديز، يسهل عليك أن تتخيل هذين العالمين جنباً إلى جنب: عالم القوافل الصحراوية وخيول البريد، وعالم عدّائي الجبال والحبال المعقودة، وكلاهما شاهد على ما يستطيع الإبداع الإنساني تحقيقه. وإن كنت تخطط لرحلة إلى البيرو، ففكّر في تخصيص يوم للمشي على مقطع مرمَّم من "قاباك نيان"؛ فقد يكون أجمل ما تحمله معك من ذكريات تلك الرحلة.