الجذور الشرق أوسطية لأطعمة الشوارع في أمريكا اللاتينية
قف عند أي زاوية شارع تقريباً في مكسيكو سيتي وقت العشاء، وستلتقط رائحة الطعام قبل أن تراه — لحم يدور ببطء على سيخ عمودي، يُقطّع رقيقاً، ويوضع في تورتيلا صغيرة من الذرة مع شريحة أناناس فوقه. يُعرف هذا الطبق بـ"تاكوس الباستور"، ويُعتبر من أكثر الأطباق ارتباطاً بالهوية المكسيكية. لكن ما لا يدركه كثيرون، حتى من المكسيكيين أنفسهم، أن طريقة الطهي هذه لم تنشأ في المكسيك على الإطلاق، بل وصلت مع المهاجرين اللبنانيين في أوائل القرن العشرين، حاملين معهم تقنية الشاورما — اللحم المكدس والمشوي عمودياً على سيخ دوّار.
من الشاورما إلى الباستور: تحوّل في فن الطهي
قصة تاكوس الباستور هي في جوهرها قصة عن التكيّف. جلب المهاجرون اللبنانيون الذين استقروا في وسط المكسيك في ثلاثينيات القرن الماضي تقنية الشاورما، التي كانت تُصنع أصلاً من لحم الضأن، واستبدلوا تدريجياً المكوّنات لتتناسب مع ما هو متاح محلياً ومألوف ثقافياً — لحم الخنزير بدل الضأن، وتورتيلا الذرة بدل خبز البيتا، والفلفل الحار المكسيكي والأتشيوتي بدل خليط التوابل الشامي التقليدي. أما السيخ العمودي نفسه، المعروف بـ"ترومبو"، فبقي دون تغيير يُذكر، ولهذا لا يزال الطبق يُعرف أحياناً بـ"تاكوس عربية" في أجزاء من ولاية بويبلا، المدينة التي يُعتقد أن هذا الاندماج بدأ فيها.
الكبة والسفيحة: هوس برازيلي
تروي البرازيل قصة موازية لكنها مختلفة. جلبت موجات الهجرة السورية واللبنانية التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر مجموعة مختلفة تماماً من الأطباق التي، بشكل لافت، لم تحتج إلى تغيير كبير لتصبح محبوبة. الكبة — طبق مخروطي الشكل من البرغل واللحم المفروم، متبّل ومقلي أو مخبوز — تُباع اليوم في المخابز ومحلات الأطعمة والأكشاك في شوارع ساو باولو بالحماس نفسه الذي يُقدَّم به أي طبق برازيلي أصيل. أما السفيحة، فطائر اللحم اللبنانية المفتوحة، فأصبحت جزءاً أساسياً من الوجبات السريعة البرازيلية لدرجة أن سلاسل مطاعم كاملة، بعضها يضم مئات الفروع، تأسست خصيصاً لبيعها إلى جانب الكبة والتبولة.
لماذا ترسّخ هذا الاندماج بهذا العمق
جزء مما يجعل هذا التاريخ الطهوي لافتاً هو مدى استيعاب هذه الأطباق بالكامل في الهوية المحلية بدلاً من بقائها محصورة في مجتمعات المهاجرين. على عكس بعض مطابخ الشتات التي تبقى داخل مجتمعها الأصلي، عبر الطعام العربي في أمريكا اللاتينية إلى التيار الرئيسي بسرعة لافتة، ربما لأن نكهاته — التوابل الدافئة، اللحوم المشوية، الخبز كوعاء للحشوة — انسجمت طبيعياً مع أذواق معتادة على تقاليد أطعمة شوارع جريئة وشبعة.
تشترك الأرجنتين في قصة مشابهة، إذ شكّل مجتمعها السوري اللبناني الكبير ثقافة الطعام الإقليمية، خاصة في مدن مثل قرطبة وتوكومان، حيث تجاور المخابز الشرق أوسطية التي تبيع البقلاوة والخبز العربي المسطّح مطاعم الشواء الأرجنتينية التقليدية بارتياح.
إرث حيّ على كل زاوية
ما يجعل رواية هذا التاريخ مهمة ليس مجرد معلومة طريفة عن الطهي — بل تذكير بمدى الترابط العميق بين الثقافتين العربية واللاتينية عبر أكثر من قرن من الهجرة. طبق تاكوس الباستور الذي يُؤكل عند زاوية شارع في مكسيكو سيتي يحمل، سواء أدرك آكله ذلك أم لا، جذوراً مباشرة تعود إلى بيروت. وطبق الكبة في ساو باولو يمثل الرحلة نفسها، لكن بمجموعة مختلفة من المكوّنات. بالنسبة للمسافرين العرب الذين يزورون المنطقة اليوم، تقدّم هذه الأطباق شيئاً غير متوقع: طعم حقيقي للوطن، أعيدت صياغته عبر قرن من المسافة والتكيّف، لكنه يبقى متجذراً بلا شك في المصدر نفسه.
يمتد هذا الاندماج أيضاً في اتجاهات أدق — فقد تكيّفت المخابز العربية في المنطقة لتشمل فواكه ونكهات محلية في معجناتها، بينما أصبح بعض الطهاة المنزليين في أمريكا اللاتينية يستخدمون الزعتر أو السماق دون أن يتتبعوا بالضرورة أصل هذا المكوّن. إنه حوار طهوي هادئ ومستمر بين منطقتين تبدوان، للوهلة الأولى، بعيدتين عن بعضهما، لكنهما ظلتا تتبادلان الوصفات والتقنيات والتقاليد لأكثر من مئة عام.