تاريخ أمريكا اللاتينية، البرازيل، الإسلام في أمريكا اللاتينية، باهيا، الإرث الأفريقي

ثورة الماليه عام 1835: القصة المنسية للعلماء المسلمين في البرازيل

09 Oct 2026 1 min read 2 words

حين يفكر معظم الناس في مدينة سلفادور دا باهيا على الساحل الشمالي الشرقي للبرازيل، فإنهم يتخيلون بيوتاً استعمارية ملونة، وإيقاع الطبول الأفريقية، وشواطئ ذهبية. وقليلون من يخطر ببالهم أن هذه المدينة كانت يوماً موطناً لجماعة من العلماء المسلمين يقرؤون القرآن، ويكتبون بالحرف العربي، ويصومون رمضان، وهم يعيشون في ظل نظام العبودية القاسي. وقد بلغت قصتهم ذروتها المؤثرة في ليلة واحدة من شهر يناير عام 1835، في حدث يُعرف باسم "ثورة الماليه".

الإسلام يصل إلى البرازيل مكبّلاً بالقيود

بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، استقبلت البرازيل عدداً من الأفارقة المستعبَدين يفوق ما استقبله أي بلد آخر في الأمريكتين، ويقدّر المؤرخون عددهم بما يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين إنسان. وكان بينهم كثير من المسلمين القادمين من غرب أفريقيا، ولا سيما من مناطق تقع اليوم ضمن نيجيريا وبنين والبلدان المجاورة لهما. فكان منهم الهوسا، ومنهم اليوروبا الذين عُرفوا في البرازيل باسم "ناغو"، ومنهم من جاء من شعوب أخرى في غرب أفريقيا ذات تقاليد إسلامية عريقة.

وكان كثير من هؤلاء المسلمين قد تعلموا في الكتاتيب والمدارس القرآنية قبل أسرهم. فكانوا يقرؤون العربية ويكتبونها، ويحفظون أجزاء من القرآن الكريم عن ظهر قلب، ويعرفون مبادئ الفقه الإسلامي. وفي مجتمع استعماري كان معظم الأحرار فيه، بمن فيهم كثير من كبار ملاك الأراضي، لا يعرفون القراءة أصلاً، ظهرت مفارقة لافتة: فبعض أكثر سكان سلفادور علماً بالقراءة والكتابة كانوا أفارقة مستعبَدين يكتبون بلغة القرآن.

من هم الماليه؟

عُرف المسلمون الأفارقة في باهيا باسم "الماليه" (Malês)، وتُرجع الدراسات هذه الكلمة عادةً إلى لفظة "إيماله" في لغة اليوروبا، ومعناها "المسلم". وقد شكّل الماليه جماعة متماسكة، يجتمعون سراً في البيوت ليصلّوا ويتدارسوا، ويعلّموا العربية لمن اعتنق الإسلام حديثاً. وكانوا يرتدون الثياب البيضاء في المناسبات المهمة، ويحمل كثير منهم أكياساً جلدية صغيرة فيها قصاصات ورق عليها آيات من القرآن، يعتقدون أنها تمنحهم الحفظ والطمأنينة.

وكان معلّموهم، الذين سُمّي بعضهم "ألوفا" نسبةً إلى الكلمة التي تعني العالِم المسلم في لغة اليوروبا، يحظون باحترام كبير داخل الجماعة. وكان بعضهم مستعبَداً، وبعضهم الآخر قد تمكن من شراء حريته. وبفضل تعليمهم حافظت الجماعة على إيمانها وهويتها، في الوقت الذي كانت فيه السلطات الاستعمارية تسعى إلى محو الاثنين معاً.

ليلة من ليالي رمضان

خُطط للانتفاضة بعناية لتنطلق في ليلة 24 إلى 25 يناير 1835. وقد وافق هذا التاريخ شهر رمضان، قرب الليالي المباركة في أواخر الشهر التي يتحرى فيها المسلمون ليلة القدر. ووفقاً للمؤرخ البرازيلي جواو جوزيه ريس، الذي تُعد أبحاثه أوسع دراسة لهذه الثورة حتى اليوم، فقد اختار المنظمون هذا الوقت المبارك عن قصد، إيماناً منهم بأنه يمنح نضالهم من أجل الحرية قوة ومعنى.

وشارك في الانتفاضة نحو ستمئة شخص، وهو عدد كبير بمقاييس مدينة في تلك الحقبة. غير أن أمر الخطة وصل إلى السلطات قبل ساعات قليلة من موعدها، فتحرك الجنود لمواجهة الثائرين قبل أن يكتمل تنظيمهم. واستمرت المواجهات طوال الليل في شوارع سلفادور، ومع حلول الصباح كانت الثورة قد أُخمدت.

أوراق عربية بقيت شاهدة

ما حدث بعد ذلك هو ما يجعل ثورة الماليه بالغة الأهمية للمؤرخين اليوم. فحين فتشت الشرطة بيوت المشتبه في مشاركتهم، عثرت على ألواح للكتابة، ومخطوطات عربية، وكتب أدعية، وتمائم تحتوي على آيات قرآنية. ولم يكن المسؤولون قادرين على قراءة هذه الوثائق، فأثارت قلقهم الشديد. وقد حُفظ كثير منها في سجلات المحاكم، لتشكّل اليوم واحدة من أثمن مجموعات الكتابة الإسلامية التي أُنتجت في الأمريكتين على الإطلاق.

وكانت العقوبات قاسية؛ إذ صدرت أحكام بالإعدام على عدد من القادة، وتعرض كثيرون آخرون للجلد أو السجن، ورُحّل مئات الأفارقة الأحرار إلى أفريقيا. وبعد ذلك شددت السلطات رقابتها على المسلمين الأفارقة، فاضطرت الجماعة إلى التعمق أكثر في السرية.

رحّالة من بغداد

ومن اللافت أن القصة لم تنتهِ عام 1835. فبعد نحو ثلاثة عقود، في ستينيات القرن التاسع عشر، وصل إلى ريو دي جانيرو عالم دين عثماني يُدعى عبد الرحمن البغدادي على متن سفينة حربية عثمانية. وقد دُهش حين وجد في البرازيل مسلمين أفارقة ما زالوا يمارسون شعائر دينهم بهدوء وتكتم. فمكث بينهم مدة يعلّمهم أمور دينهم، ثم دوّن تجربته في كتاب رحلات بالعربية. ويُعد كتابه من أقدم ما كُتب بالعربية في وصف أمريكا الجنوبية، وحلقة وصل ثمينة بين العالم العربي ومسلمي البرازيل.

لماذا تهمّنا هذه القصة اليوم؟

ألغت البرازيل العبودية أخيراً عام 1888، وكانت آخر بلد في الأمريكتين يفعل ذلك. واليوم يتزايد الاعتراف بثورة الماليه في البرازيل بوصفها رمزاً للمقاومة والكرامة، ولشجاعة أناس رفضوا التخلي عن إيمانهم وإنسانيتهم مهما اشتدت عليهم الظروف.

وبالنسبة للقارئ والمسافر العربي، يقدّم هذا التاريخ تذكيراً قوياً بأن قصة الإسلام في أمريكا اللاتينية أقدم بكثير مما يظنه معظم الناس. فهي لم تبدأ مع الهجرة الحديثة، بل بدأت قبل قرون في قلوب أفارقة حملوا القرآن عبر المحيط محفوظاً في صدورهم. وحين تتجول في حي بيلورينيو التاريخي في سلفادور، تذكّر أن هذه الشوارع نفسها سمعت يوماً تلاوة خافتة لأدعية عربية، في السر، خلال ليالي رمضان الطويلة. ولعل زيارة هذا المكان بعين تعرف تاريخه تجعل الرحلة أكثر من مجرد سياحة، بل وفاءً لذكرى إخوة في الإيمان صمدوا في أصعب الظروف.

هل أعجبك المقال؟