تخيّل أنك تتجول في وسط مدينة ليما القديم في البيرو، ثم ترفع رأسك فترى شرفة خشبية داكنة مغلقة من كل جوانبها بنقوش دقيقة متشابكة. كل من سار في أزقة القاهرة القديمة أو جدة التاريخية أو دمشق سيشعر فوراً بألفة غريبة، فهذه الشرفة تشبه المشربية إلى حد مدهش. وليس في الأمر مصادفة، بل هو خيط واحد من خيوط كثيرة تربط أمريكا اللاتينية بالعالم العربي عبر جدّ مشترك اسمه الأندلس.
على مدى ما يقارب ثمانية قرون، من عام 711 حتى عام 1492، تشكّل جزء كبير من شبه الجزيرة الإيبيرية على يد الحضارة العربية الإسلامية. فأصبحت مدن مثل قرطبة وإشبيلية وغرناطة مراكز للعلم والشعر والزراعة والعمارة. وحين بدأت إسبانيا توسعها عبر الأطلسي في العام نفسه الذي سقطت فيه غرناطة، حمل الذين أبحروا إلى الأمريكتين هذا الإرث معهم، وكثيراً ما حملوه دون أن يدركوا ذلك. فكلماتهم وأساليب بنائهم ومحاصيلهم، بل وطريقتهم في ترتيب البيت، كانت كلها تحمل بصمات الثقافة الأندلسية.
لغة مليئة بالكلمات العربية
الإسبانية هي لغة أكثر من 400 مليون إنسان في أمريكا اللاتينية، وتضم ما يُقدَّر بنحو أربعة آلاف كلمة ذات أصل عربي إذا احتُسبت الكلمات المشتقة. والكثير منها جزء من الحياة اليومية. فحين تصبّ أسرة في مدينة مكسيكو "أثيتي" (aceite) في المقلاة، فإنها تستخدم كلمة مأخوذة من "الزيت". وحين يطلب طفل في بوينس آيرس "أثوكار" (azúcar)، فإن الكلمة تعود إلى "السُّكّر". والوسادة تسمى "ألموهادا" (almohada) من "المِخَدّة"، والقطن "ألغودون" (algodón) من "القُطن"، والأرز "أروث" (arroz) من "الرُّز".
ولعل أجمل الأمثلة وأكثرها تأثيراً كلمة "أوخالا" (ojalá)، التي يستخدمها أهل أمريكا اللاتينية للتعبير عن الأمل والتمني، وأصلها العبارة العربية "لو شاء الله". يرددها الملايين في كولومبيا وتشيلي وفنزويلا كل يوم، وكثير منهم لا يعلمون أنهم يرددون صدى عبارة لا تكاد تفارق ألسنة الناطقين بالعربية.
وقد اكتسبت بعض الكلمات ذات الأصل العربي حياة خاصة في الأمريكتين. ففي المكسيك يُطلق على حوض السباحة اسم "ألبيركا" (alberca)، وأصلها "البِركة". وفي أنحاء المنطقة ظل رئيس البلدية يُسمّى منذ زمن طويل "ألكالدي" (alcalde)، وأصلها "القاضي". وحتى الكلمة البسيطة "أستا" (hasta) التي تعني "حتى"، يُرجَّح أنها مأخوذة من الكلمة العربية ذاتها.
وتتسع القائمة لتشمل كلمات يسمعها الزائر في كل مكان تقريباً. فحين يتحدث الناس عن شخص مجهول يقولون "فولانو" (fulano)، وهي "فلان" العربية بعينها. والحي السكني يسمى "باريو" (barrio)، وتربطه معاجم كثيرة بالكلمة العربية "بَرّي" أي ما كان خارج أسوار المدينة. والبرتقال "نارانخا" (naranja) من "النارنج"، والليمون "ليمون" (limón) كما هو تقريباً. وهكذا يجد المسافر العربي نفسه محاطاً بكلمات مألوفة في الأسواق والمطاعم والشوارع، كأن اللغة نفسها ترحّب به.
لمسات أندلسية في المدن الاستعمارية
حين وصل البنّاؤون الإسبان إلى الأمريكتين، جاء كثير منهم بالطراز المُدجَّن، وهو مزيج من العمارة الإسلامية والمسيحية نشأ في إسبانيا بعد أن استعاد الممالك المسيحية مدن الأندلس. واشتهر الحرفيون المدجنون بأسقفهم الخشبية المعقدة التي تُسمّى "أرتيسونادوس"، وهي مبنية من أنماط هندسية متشابكة تذكّر بالزخارف النجمية التي تزين المساجد والقصور في أرجاء العالم العربي.
وما زال بوسع الزائر أن يتأمل هذه الأسقف حتى اليوم. فكنيسة ودير سان فرانسيسكو في كيتو بالإكوادور، وعدد من الكنائس التاريخية في ليما وبوغوتا وسوكري، تحتوي على أعمال خشبية هندسية لا تبدو غريبة لو وُضعت في قصر أندلسي. أما الشرفات الخشبية المغلقة في ليما، المعروفة محلياً باسم "بالكونيس دي كاخون"، فكثيراً ما تُقارَن بالمشربية، وقد أدّت الوظيفة نفسها تقريباً: أن تتيح للأسرة رؤية الشارع مع الحفاظ على خصوصيتها وعلى برودة البيت.
والفناء الداخلي سمة مشتركة أخرى. فقد بُنيت البيوت التاريخية في قرطاجنة وأنتيغوا غواتيمالا وهافانا في الغالب حول فناء أوسط فيه نافورة ونباتات، وهو تصميم له جذور عميقة في البيت الأندلسي، ومن قبله في البيوت ذات الأفنية في المشرق العربي.
البلاط والماء والحدائق
البلاط المزجج إرث جميل آخر. فكلمة "أثوليخو" (azulejo) الإسبانية مأخوذة من الكلمة العربية "الزُّلَيج"، أي الحجر الصغير المصقول. وفي مدينة بويبلا المكسيكية، ينتج الحرفيون منذ العهد الاستعماري خزف "تالافيرا" الملون، وهو تقليد نشأ من ورش إسبانية تأثرت بفن البلاط الإسلامي. وإذا تجولت في المركز التاريخي لبويبلا فسترى قباب الكنائس وواجهات البيوت مكسوّة ببلاط أزرق وأصفر وأبيض يلمع تحت الشمس.
وتروي إدارة المياه قصة مشابهة. فـ"الأثيكيا" (acequia)، أي قناة الري، مأخوذة من الكلمة العربية "الساقية"، وقد انتقلت إلى أجزاء من المكسيك وإلى ما يُعرف اليوم بجنوب غرب الولايات المتحدة. ولا تزال بعض المجتمعات تدير مياهها المشتركة عبر أنظمة سواقٍ تقوم على مبادئ كان يعرفها فلاحو الأندلس قبل قرون، والفلاحون العرب الذين طوّروها من قبلهم.
حين رأى الغزاة الإسبان "مساجد"
من أكثر التفاصيل التاريخية إثارة للدهشة ما ورد في رسائل هيرنان كورتيس، القائد الإسباني الذي وصل إلى عاصمة الأزتيك تينوتشتيتلان عام 1519. فحين وصف معابد شعب المكسيكا الكبرى لملك إسبانيا، كان كثيراً ما يسميها "مِثكيتاس" (mezquitas)، أي المساجد بالإسبانية. فالرجال الذين نشؤوا في إسبانيا التي كانت لا تزال عامرة بالمباني الأندلسية، كان المسجد بالنسبة إليهم المرجع الطبيعي لأي مبنى ديني كبير لا يكون كنيسة. إنها تفصيلة صغيرة، لكنها تكشف مدى عمق أثر الأندلس في طريقة فهم الإسبان للعالم من حولهم.
لماذا يهمّ هذا المسافر العربي؟
قد تبدو أمريكا اللاتينية للزائر العربي بعيدة جداً، لكنها في الوقت ذاته مألوفة على نحو غريب. فسماع كلمة "أوخالا" في مقهى في بوغوتا، والسقف الهندسي في كنيسة بكيتو، ونافورة الفناء في بيت تاريخي بقرطاجنة، كلها تذكيرات هادئة بحضارة أسهم العرب في بنائها. واستكشاف هذه الروابط يحوّل الرحلة إلى أمريكا اللاتينية إلى تجربة أعمق معنى، رحلة في تاريخ مشترك يمتد من دمشق إلى قرطبة، ثم يعبر المحيط حتى جبال الأنديز. وفي المرة القادمة التي تسمع فيها صديقاً لاتينياً يقول "أوخالا"، ستعرف تماماً من أين بدأ ذلك الأمل.