سباق الذهب في الهيدروجين الأخضر: لماذا أصبحت تشيلي والبرازيل قوتين عظميين جديدتين في الطاقة؟

على مدى القرن الماضي، كان النفوذ الجيوسياسي العالمي محكوما إلى حد كبير بما يشبه اليانصيب الجغرافي: امتلاك الوقود الأحفوري المدفون تحت الأرض. فالدول التي سيطرت على تدفق النفط والغاز الطبيعي سيطرت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الاقتصاد العالمي. لكن مع تسارع العالم في عام 2026 نحو التحول الضروري والعاجل لإزالة الكربون، بدأت معايير التفوق في مجال الطاقة تتغير جذريا. فالعملة العالمية الجديدة لم تعد النفط الخام، بل الهيدروجين الأخضر. وفي هذا التحول غير المسبوق، أُعيد رسم خريطة الامتياز الجغرافي، ولم يعد الفائزون الكبار متمركزين بالضرورة في الشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية. وبفضل وفرة استثنائية من الإشعاع الشمسي والرياح الساحلية القوية، تصعد تشيلي والبرازيل بسرعة بوصفهما قوتين طاقويتين بارزتين في الاقتصاد الأخضر الجديد.

فهم ظاهرة الهيدروجين الأخضر

لفهم حجم هذا التحول الجيوسياسي، من الضروري أولا توضيح ما الذي يجعل الهيدروجين الأخضر ثوريا إلى هذا الحد. فالهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة في الكون، ويحمل إمكانات طاقية هائلة، لكنه نادرا ما يوجد حرا في الطبيعة؛ لذلك يجب فصله عن عناصر أخرى، وغالبا عن الماء، أي H2O.

تاريخيا، اعتمدت عملية الفصل هذه على حرق الوقود الأحفوري، مما أنتج ما يُعرف بالهيدروجين «الرمادي» أو «الأزرق»، وهي أنواع ما زالت تطلق الكربون في الغلاف الجوي بدرجات مختلفة. أما الهيدروجين الأخضر فيكسر هذه الحلقة بالكامل. فهو يستخدم عملية التحليل الكهربائي، أي تمرير تيار كهربائي في الماء لفصل ذرات الهيدروجين عن الأكسجين، على أن يكون هذا التيار ناتجا حصريا عن مصادر طاقة متجددة مثل الرياح أو الشمس. والنتيجة وقود متعدد الاستخدامات، عديم الانبعاثات، قادر على إزالة الكربون من قطاعات صناعية ثقيلة لا يمكن ببساطة توصيلها بشبكة كهربائية عادية، مثل الشحن البحري، والطيران، وصناعة الصلب، والخدمات اللوجستية الثقيلة.

تشيلي: مختبر الجغرافيا المتطرفة

يمثل صعود تشيلي بوصفها قوة كبرى في الهيدروجين الأخضر درسا واضحا في كيفية الاستفادة من الجغرافيا المتطرفة. فطبوغرافية البلاد مناسبة بصورة فريدة لإنتاج الكميات الضخمة والرخيصة من الكهرباء المتجددة المطلوبة لجعل التحليل الكهربائي مجديا اقتصاديا. ففي أقصى الشمال، يتمتع صحراء أتاكاما بأعلى مستويات الإشعاع الشمسي على سطح الأرض، مما يسمح بتوليد كهروضوئي شديد الكفاءة. وفي المقابل، في أقصى الجنوب، تشهد منطقة ماغايانيس في باتاغونيا بعضا من أقوى الرياح البرية وأكثرها انتظاما في العالم.

وقد أدركت الحكومة التشيلية هذه الميزة الاستراتيجية غير المسبوقة في وقت مبكر، فأطلقت استراتيجية وطنية طموحة للهيدروجين الأخضر بهدف واحد جريء: إنتاج أرخص هيدروجين أخضر في العالم بحلول عام 2030. ومن أجل تحقيق ذلك، فتحت تشيلي أبوابها أمام استثمارات أجنبية مباشرة ضخمة، ودخلت في شراكات مع تكتلات طاقة أوروبية وآسيوية لبناء محطات تحليل كهربائي واسعة ومرافئ تصدير متخصصة. ولا تسعى البلاد فقط إلى تزويد عمليات التعدين المحلية بالطاقة، بل تبني صراحة بنية تحتية مصممة لتصدير الأمونيا الخضراء السائلة، وهي من أكثر الوسائط كفاءة في نقل الهيدروجين، عبر المحيطين الهادئ والأطلسي.

البرازيل: العملاق يستيقظ

بينما تعتمد تشيلي على أقصى إمكانات جغرافيتها المتطرفة، تدخل البرازيل ساحة الهيدروجين الأخضر بقوة الحجم الهائل وقاعدة صناعية متقدمة بالفعل. تمتلك البرازيل واحدة من أنظف مصفوفات الطاقة في العالم، إذ يُنتج معظم كهربائها المحلية من شبكات كهرومائية قوية. لكن المحرك الحقيقي لطموحات البرازيل في الهيدروجين الأخضر يقع على امتداد ساحلها الشمالي الشرقي.

فولايات مثل سيارا وريو غراندي دو نورتي تتمتع برياح تجارية قوية ومستمرة على مدار العام، وهي مثالية لمزارع الرياح البحرية والبرية الضخمة. وتتمثل الجوهرة الأبرز في هذا المشروع الصاعد في ميناء بيسيم بولاية سيارا. فهذا الميناء، الذي يعمل كمركز صناعي متقدم ومنطقة تجارة حرة، نجح في تأمين مليارات الدولارات عبر مذكرات تفاهم مع عمالقة طاقة دوليين لتطوير واحد من أكبر مراكز إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر في الأمريكتين. وبما أن البرازيل تمتلك بالفعل خبرة عميقة في الأعمال الزراعية المعقدة، والهندسة الكيميائية، والحفر البحري في المياه العميقة، فإنها مؤهلة بشكل فريد لتوسيع بنية الهيدروجين الأخضر التحتية بسرعة أكبر من معظم الأسواق الناشئة الأخرى.

الاتصال الأوروبي: إعادة رسم طرق التجارة العالمية

القوة الدافعة وراء هذا السباق اللاتيني نحو الهيدروجين الأخضر هي الطلب الهائل والعاجل القادم من الشمال العالمي، وبالأخص من الاتحاد الأوروبي. فبعد الصدمات الجيوسياسية العنيفة التي تعرض لها أمن الطاقة الأوروبي في وقت سابق من هذا العقد، اتجهت أوروبا إلى فصل بنيوي وسريع عن الوقود الأحفوري المستورد. غير أن القارة الأوروبية لا تمتلك ببساطة المساحات الأرضية الكافية ولا الظروف المناخية المثالية لإنتاج ما يكفي من الطاقة المتجددة لتلبية احتياجات صناعاتها الثقيلة.

ونتيجة لذلك، يجري اليوم تشكيل طرق تجارة جديدة عابرة للمحيطات. وتترسخ شراكات ضخمة بين منتجي أمريكا اللاتينية والمراكز اللوجستية الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها ميناء روتردام في هولندا، الذي يسعى إلى ترسيخ موقعه كبوابة رئيسية لدخول الهيدروجين الأخضر إلى السوق الأوروبية. ومن المتوقع أن تعبر سفن تحمل ملايين الأطنان من الأمونيا الخضراء البرازيلية والتشيلية المحيط الأطلسي، لتحل تدريجيا محل ناقلات النفط التي طبعت القرن العشرين، ولتربط المصائر الاقتصادية لأوروبا وأمريكا الجنوبية بصورة طويلة الأمد.

تحديات الطريق: رأس المال والمياه والبنية التحتية

رغم التفاؤل الكبير، فإن الطريق إلى التفوق في الهيدروجين الأخضر مليء بتحديات بنيوية ضخمة. أول هذه العقبات هو حجم الإنفاق الرأسمالي الهائل المطلوب. فبناء مزارع رياح وطاقة شمسية على مستوى الجيجاواط، وإنشاء مرافق تحليل كهربائي متقدمة، وتحديث موانئ المياه العميقة، كل ذلك يتطلب مئات المليارات من الدولارات في تمويل طويل الأجل ومستمر.

إضافة إلى ذلك، فإن عملية التحليل الكهربائي كثيفة الاستهلاك للمياه. وفي مناطق مثل صحراء أتاكاما، وهي بالفعل أكثر صحارى العالم غير القطبية جفافا، فإن استخدام احتياطيات المياه العذبة النادرة لإنتاج الطاقة سيكون أمرا غير ممكن بيئيا وسياسيا. لذلك، يتعين على صناعة الهيدروجين الأخضر أن تبني بالتوازي محطات ضخمة لتحلية مياه البحر تعمل بالطاقة المتجددة، مما يضيف طبقة كبيرة من التعقيد التقني والتكلفة إلى سلسلة الإنتاج بأكملها. وأخيرا، يجب إدارة الأطر التنظيمية المحلية بعناية لضمان أن تعود هذه الطفرة في الطاقة بالنفع على السكان المحليين وتحترم أراضي الشعوب الأصلية، بدلا من تكرار نماذج الاستخراج والاستغلال القديمة.

الخلاصة

يمثل فجر عصر الهيدروجين الأخضر واحدا من أعمق التحولات الاقتصادية والبيئية في التاريخ الحديث. فالاعتماد العالمي على احتياطيات الوقود الأحفوري المركزة جغرافيا يجري استبداله تدريجيا بالاعتماد على قوى الشمس والرياح التي لا تنضب. وفي هذا الواقع الجيوسياسي الجديد، لم تعد تشيلي والبرازيل تُصنَّفان فقط كاقتصادات ناشئة تعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الخام غير المعالجة. فمن خلال سياسات بعيدة النظر، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، وامتياز جغرافي استثنائي، ترسخان مكانتهما في طليعة تحول الطاقة العالمي. ومع بدء تشغيل المحللات الكهربائية العملاقة في باتاغونيا وسيارا، تكتب القوتان اللاتينيتان الفصل الأول من عالم ما بعد الكربون، وتؤمنان موقعيهما كقوتين لا غنى عنهما في مستقبل الطاقة.


سباق الذهب في الهيدروجين الأخضر: لماذا أصبحت تشيلي والبرازيل قوتين عظميين جديدتين في الطاقة؟