التاريخ الحديث للسلفادور
تُعد السلفادور أصغر دولة في أمريكا الوسطى، وقد ظلت لفترة طويلة مجتمعًا زراعيًا يتّسم بعدم المساواة الاجتماعية العميقة. خلال الفترة الاستعمارية، كانت جزءًا من الهيمنة الإسبانية في أمريكا الوسطى، حيث تطوّر اقتصاد زراعي قائم على زراعة النيلة، بالاعتماد على العمل القسري للسكان الأصليين. وقد أدّى ذلك إلى تركز الأراضي والثروات في أيدي قلة من السكان.
في عام 1821، حصلت السلفادور على استقلالها عن إسبانيا إلى جانب مقاطعات أمريكا الوسطى الأخرى، وبعد فترة قصيرة من الاتحاد الإقليمي، أصبحت جمهورية مستقلة عام 1841. طوال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أصبحت البلاد تعتمد بشكل متزايد على زراعة البن، التي كانت تحت سيطرة نخبة من مُلّاك الأراضي تُعرف بـ”الأُسر الأربع عشرة”. هذه الأوليغارشية احتكرت الأرض والسلطة، في حين عاش غالبية الفلاحين في فقر مدقع، مما زاد من حدة التوترات الاجتماعية. في عام 1932، قُمِع تمرد فلاحي قاده فارابوندو مارتي بوحشية على يد الديكتاتور الجنرال ماكسيميليانو هيرنانديز مارتينيز، في مذبحة تُعرف بـ”لا ماتنزا”، راح ضحيتها عشرات الآلاف. وقد شكّل هذا الحدث بداية فترة طويلة من الحكم العسكري في السلفادور.
من عام 1931 حتى 1979، حَكم البلاد طغاة عسكريون حافظوا على النظام من خلال القوة وتحالفهم مع نخبة مزارعي البن. وعلى الرغم من أن بعض الحكومات شجّعت على قدر من التصنيع في منتصف القرن العشرين، إلا أن هذه التنمية لم تصل إلى عامة السكان، واستمر انعدام الانفتاح السياسي في تأجيج مشاعر السخط.
بحلول أواخر الستينيات وطوال السبعينيات، تصاعد الضغط الشعبي للمطالبة بالتغيير. ظهرت حركات من المعلمين والطلاب والفلاحين والعمال للمطالبة بإصلاحات اجتماعية. من بين هذه الحركات، تأسس اتحاد المعلمين ANDES 21 de Junio عام 1965 عقب احتجاج وطني للمعلمين. وردّ النظام على هذه المطالب بخطاب معادٍ للشيوعية وبحملة قمع عنيفة. تم إنشاء أجهزة أمنية وميليشيات شبه عسكرية لقمع المعارضة، وتعرض العديد من القادة الاجتماعيين للاعتقال أو القتل بتهمة “التحريض على الفوضى”.
في الوقت ذاته، كانت السبل السلمية للتغيير تُغلق تدريجيًا. فقد تم التلاعب بالانتخابات من قبل السلطات الحاكمة؛ ففي عامي 1972 و1977 كادت المعارضة تفوز بالرئاسة، لكن التزوير حال دون ذلك، وقُمعت الاحتجاجات بعنف. هذه الأحداث دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد المتبقي. وخلال السبعينيات، بدأت مجموعات معارضة مسلحة بالظهور، مستلهمة من الظلم الاجتماعي، وقد توحّدت لاحقًا، في حين واصل النظام العسكري تصعيد المواجهة.
بلغت الأزمة ذروتها في أكتوبر 1979، عندما نفّذ ضباط إصلاحيون انقلابًا أطاح بالجنرال كارلوس أومبرتو روميرو. تم تشكيل مجلس عسكري-مدني وعد بإصلاحات، لكن النزاع استمر في التفاقم. وفي عام 1980، توحّدت الفصائل المسلحة في تنظيم موحّد تحت اسم “جبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني” (FMLN). في تلك الفترة، أصبح رئيس أساقفة سان سلفادور، أوسكار أرنولفو روميرو، الصوت الأكثر جرأة في إدانة القمع. وقد شكّل اغتياله أثناء أداء القدّاس في 24 مارس 1980 صدمة وطنية ونقطة تحوّل دفعت البلاد نحو الحرب الأهلية.
منذ عام 1980، انزلقت السلفادور في حرب أهلية دموية استمرت اثني عشر عامًا، حيث خاضت الحكومة العسكرية، المدعومة من الولايات المتحدة، حربًا ضد قوات FMLN في صراع مسلّح واسع النطاق. خلّف هذا النزاع نحو 75 ألف قتيل وآلاف المفقودين، وتسبّب في موجات نزوح جماعية. وعانى المدنيون من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها مذابح كبرى مثل مذبحة “إل موزوتي” عام 1981. أصبح الرعب جزءًا من الحياة اليومية بفعل فرق الموت والاشتباكات المسلحة. لم يحقق أي من الطرفين نصرًا حاسمًا، ومع مرور الوقت أدرك كلا الجانبين أن الصراع لا يمكن حسمه عسكريًا.
في أواخر الثمانينيات، وتحت ضغط دولي متزايد، بدأت مفاوضات السلام. وبوساطة الأمم المتحدة، وقّعت الحكومة والجبهة المسلحة اتفاقيات السلام في يناير 1992، التي أنهت رسميًا النزاع المسلح. قامت FMLN بتسليم أسلحتها وتحولت إلى حزب سياسي، بينما نفّذَت الدولة إصلاحات لتحديث النظام الديمقراطي، شملت تقليص حجم الجيش، وحل الأجهزة القمعية، وإنشاء شرطة وطنية مدنية جديدة. وقد شكّلت هذه الاتفاقيات بداية مرحلة جديدة فتحت الطريق أمام المصالحة الوطنية ودمج الخصوم السابقين في الحياة السياسية