تُعَد بيرو واحدة من أقدم مراكز الحضارة في العالم، حيث وُجدت مستوطنات بشرية فيها منذ 14,000 قبل الميلاد. كشفت الأدلة الأثرية في لوريوكو وتشوكبالا عن رسومات كهفية لمشاهد صيد، مما يدل على وجود أنشطة بشرية منذ عصور ما قبل التاريخ. بحلول 4000 قبل الميلاد، بدأ السكان في تدجين حيوانات اللاما والخنازير الغينية، كما بدأوا في زراعة البطاطس والذرة والقطن. وبحلول 3000 قبل الميلاد، بدأوا في بناء المعابد الاحتفالية، مثل حضارة كارال، التي تُعد أقدم حضارة معروفة في الأمريكتين.
خلال الفترة الأولى (2500-1200 قبل الميلاد)، تم تطوير المعابد المدرجة والساحات الدائرية، كما هو الحال في مواقع سيتشين وكوتوش. لاحقًا، ظهرت حضارة تشافين (1000-300 قبل الميلاد)، المعروفة بفنها الديني الذي يتميز بالرموز الحيوانية المقدسة، مثل المنحوتات الحجرية في لانزون مونوليتيك ورايموندي ستيلا. وعلى الساحل، برزت ثقافة باراكاس (700 قبل الميلاد)، المشهورة بنسيجها المعقد وطرق دفنها الفريدة.
مع بداية العصر الميلادي، ظهرت حضارات إقليمية متعددة بعد انهيار تشافين، وأبرزها حضارة موتشي (100-800 ميلادي)، التي تميزت بالفخار المتقن والهندسة المعمارية الهرمية مثل هواكا ديل سول وهواكا دي لا لونا. لاحقًا، ظهرت إمبراطورية واري (550-1200 ميلادي)، التي شكلت أول إمبراطورية أنديزية حقيقية وأرست الأسس للإمبراطورية الإنكية من خلال بناء شبكة واسعة من الطرق وأنظمة إدارية متطورة. ومع انهيار واري، ظهرت حضارات جديدة، مثل تشيمو، التي بنت تشان تشان، أكبر مدينة من الطوب اللبن في العالم، وحضارة تشاتشابوياس، التي شيّدت مدينة كويلاب في جبال الأمازون.
صعود وسقوط إمبراطورية الإنكا
نشأت حضارة الإنكا في كوسكو وبدأت في التوسع خلال القرن الخامس عشر تحت حكم باتشاكوتيك، الذي حوّلها إلى إمبراطورية شاسعة تُعرف باسم تاوانتينسيويو، حيث امتدت من الإكوادور شمالًا إلى تشيلي جنوبًا. قام الإنكا بتحسين الإدارة، والزراعة، وبنوا نظامًا واسعًا من الطرق. ومع ذلك، أدى الصراع الداخلي بين أتاهوالبا وواسكار إلى إضعاف الإمبراطورية قبل وصول المستعمرين الإسبان.
في 1532، نزل فرانسيسكو بيزارو في بيرو وأسر أتاهوالبا في كاجاماركا. على الرغم من أن الإنكا قدّموا فدية ضخمة من الذهب والفضة للإفراج عنه، إلا أن الإسبان قاموا بإعدامه في 1533. أدى الغزو الإسباني إلى أزمة اجتماعية وديموغرافية هائلة، حيث انخفض عدد السكان الأصليين من 10 ملايين إلى 600,000 فقط خلال قرن واحد بسبب الأمراض والاستغلال القاسي.
نظام النيابة الإسبانية والصراع من أجل الاستقلال
أسس بيزارو ليما كعاصمة لحكم نائب الملك الإسباني في 1535، والتي ظلت مركز السيطرة الإسبانية على أمريكا الجنوبية لأكثر من 200 عام. استند النظام الاستعماري إلى استغلال السكان الأصليين من خلال نظام الإنكوميندا، مما أدى إلى احتجاجات عديدة، أبرزها ثورة توباك أمارو الثاني عام 1780، التي تم سحقها بوحشية.
في 1820، وصل الجنرال الأرجنتيني خوسيه دي سان مارتين إلى بيرو وأعلن الاستقلال في 1821. لكن الجيش الإسباني ظل مسيطرًا حتى عام 1824، عندما قاد سيمون بوليفار وقائده العسكري أنطونيو خوسيه دي سوكري القوات الثورية لتحقيق الاستقلال الكامل في معركتي جونين وأياكوتشو.
الجمهورية وعدم الاستقرار السياسي
بعد الاستقلال، عانت بيرو من 20 تغييرًا في الحكومة خلال عقدين، حيث تنافس القادة العسكريون على السلطة. في 1845، جلب رامون كاستيا الاستقرار، حيث ألغى العبودية وعزز التحديث الاقتصادي بفضل عائدات تجارة ذرق الطيور (الغوانو). لكن في 1879، دخلت بيرو حرب المحيط الهادئ ضد تشيلي، مما أدى إلى خسارة أراضي تاراباكا وأريكا في 1883.
بحلول أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الهوية الوطنية البيروفية بالتشكل، متأثرة بحركة الاندجينيسمو، التي دافع عنها مفكرون مثل ريكاردو بالما وخوسيه كارلوس مارياتيجوي. في 1924، أسس فيكتور راؤول هيا دي لا توري حزب أبرا، الذي دعا إلى العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي.
القرن العشرون: الديكتاتوريات والصراع الداخلي
شهد القرن العشرون سلسلة من الانقلابات العسكرية والأنظمة الاستبدادية. في 1968، قاد خوان فيلاسكو ألفارادو انقلابًا عسكريًا، حيث قام بتأميم الشركات الكبرى وأجرى إصلاحات زراعية، لكن سياساته الاقتصادية فشلت، وأطيح به عام 1975.
في 1980، عادت بيرو إلى الحكم المدني مع الرئيس فرناندو بيلاوندي تيري، لكن في نفس العام، بدأ الصراع المسلح مع ظهور حركة الدرب المضيء (Sendero Luminoso)، وهي منظمة ماوية متطرفة بقيادة أبمال جوزمان، قامت بعمليات إرهابية لإسقاط الحكومة.
في 1990، تولى ألبرتو فوجيموري الرئاسة وفرض إصلاحات اقتصادية قاسية. في 1992، قام بحل الكونغرس واعتقال غوزمان، مما أدى إلى تراجع نفوذ حركة الدرب المضيء. ومع ذلك، تلطخ حكمه بالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، مما أجبره على الفرار إلى اليابان في 2000. في 2007، تم تسليمه إلى بيرو وحُكم عليه بالسجن بتهمة القتل غير القانوني والفساد.
القرن الحادي والعشرون: الاستقرار والاضطرابات السياسية
شهد القرن الحادي والعشرون استقرارًا اقتصاديًا ملحوظًا، لكنه تزامن مع فضائح فساد سياسية. في 2001، أصبح أليخاندرو توليدو أول رئيس بيروفي من أصل كيتشوا، لكنه تورط في فضائح فساد. في 2006، عاد آلان غارسيا إلى الحكم، محققًا نموًا اقتصاديًا قويًا، لكنه واجه احتجاجات بسبب استغلال الموارد الطبيعية في الأمازون.
في 2011، ركز أولانتا هومالا على الإدماج الاجتماعي، لكنه فقد شعبيته بسبب النزاعات مع المجتمعات الأصلية. في 2016، تم انتخاب بيدرو بابلو كوتشينسكي لكنه استقال في 2018 بعد فضيحة فساد.
منذ ذلك الحين، مرت بيرو بفترة من عدم الاستقرار السياسي، مع تعاقب عدة رؤساء في فترة قصيرة. ومع ذلك، لا تزال واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في أمريكا اللاتينية، على الرغم من استمرار التحديات المتعلقة بـ الفساد، وعدم المساواة، والصراعات الاجتماعية.