مرآة السماء: القصة الجيولوجية لسالار دي أويوني
من يقف وسط الامتدادات الهائلة لصحراء الربع الخالي أو كثبان الصحراء الكبرى يعرف جيدًا ذلك الإحساس الذي تصنعه المساحات المفتوحة والصمت شبه الكامل. في البيئات القاسية، تختفي تفاصيل الحياة اليومية أمام اتساع الأفق، ويصبح الإنسان أكثر وعيًا بضآلة حجمه أمام الطبيعة. وفي أعالي جبال الأنديز جنوب غرب بوليفيا، يوجد نوع آخر من الصحراء يبعث الإحساس نفسه باللانهاية. لكن بدلًا من الرمال الذهبية، تمتد أمام العين أرض بيضاء هائلة مكوّنة من الملح. إنه سالار دي أويوني، أكبر مسطح ملحي في العالم، ويغطي أكثر من 10 آلاف كيلومتر مربع على ارتفاع يقارب 3650 مترًا فوق سطح البحر. إنه سجل جيولوجي لتغيرات مناخية استمرت آلاف السنين، وبيئة للحياة في أقسى الظروف، وفي موسم الأمطار يتحول إلى ما يشبه أكبر مرآة طبيعية على سطح الأرض.
أصداء البحيرات القديمة
بدأت قصة سالار دي أويوني قبل عشرات الآلاف من السنين. فالأرض البيضاء الجافة التي نراها اليوم كانت جزءًا من منظومة واسعة من البحيرات القديمة التي غطت مناطق كبيرة من الهضبة العليا، أو الألتيبلانو. تشير الدراسات الجيولوجية إلى تعاقب عدة بحيرات ضخمة في المنطقة خلال الفترات الرطبة من العصر الجليدي، ومن أشهرها بحيرة مينشين Minchin ولاحقًا بحيرة تاوكا Tauca. ومع تغير المناخ عبر آلاف السنين، بدأت هذه البحيرات في الانحسار والتبخر. ولأن حوض الألتيبلانو حوض مغلق لا تصب مياهه في المحيط، ظلت الأملاح والمعادن التي تحملها المياه محاصرة فيه. ومع استمرار التبخر، ازداد تركيزها تدريجيًا حتى تكونت طبقات سميكة من الأملاح. وبقيت من تلك المنظومة القديمة بحيرات ومسطحات أصغر، مثل بحيرة بوبو وسالار دي كويباسا، بينما أصبح سالار دي أويوني أكبر تلك البقايا الملحية. وتتكون قشرته الخارجية أساسًا من الملح، بينما توجد تحتها طبقات من الرواسب ومياه شديدة الملوحة غنية بالمعادن. إنها عملية استغرقت آلاف السنين وحولت قاع بحيرة قديمة إلى بحر أبيض من البلورات.
حين تنعكس السماء على الأرض
خلال معظم أيام السنة، يبدو سالار دي أويوني كأرض بيضاء صلبة تتخللها أنماط هندسية سداسية صنعتها عمليات تبخر الماء وتبلور الملح. وهو أيضًا واحد من أكثر الأسطح الطبيعية استواءً على الأرض، ولذلك استُخدم في بعض التطبيقات العلمية لمعايرة أجهزة قياس الارتفاع الخاصة بالأقمار الصناعية. لكن المشهد يتغير تمامًا في موسم الأمطار، الذي يمتد عادة من ديسمبر إلى مارس أو أبريل بحسب الظروف المناخية. عندما تتساقط الأمطار، تتجمع طبقة رقيقة جدًا من المياه فوق القشرة الملحية. وبسبب استواء الأرض الشديد، تنتشر المياه عبر مساحات واسعة من دون اضطراب كبير. فتتحول الأرض كلها إلى سطح عاكس يكاد يكون مثاليًا. عندها يختفي خط الأفق، فلا يكاد الزائر يعرف أين تنتهي الأرض وأين تبدأ السماء. وتنعكس السحب والجبال وضوء الشمس على سطح الماء بدرجة مذهلة، حتى يبدو الإنسان وكأنه يسير وسط السماء نفسها. وهذه الظاهرة هي التي جعلت سالار دي أويوني يُعرف عالميًا باسم مرآة السماء.
أسطورة دموع تونوبا
كما نسجت الثقافات العربية قصصًا عن الجن والعمالقة والأماكن التي صنعتها قوى خارقة، ربطت شعوب الأنديز أيضًا هذا المشهد الغريب بأساطير تفسر نشأته. ومن أشهر هذه القصص أسطورة تونوبا. وتختلف تفاصيل الرواية بين المجتمعات المحلية، لكن إحدى نسخها تحكي عن جبل تونوبا في هيئة امرأة عملاقة ارتبطت بجبال أخرى حول المنطقة. وبعد خلاف وفراق بينها وبين شريكها، بكت تونوبا بحرقة وهي تحمل طفلها. وتقول الأسطورة إن دموعها امتزجت بحليبها وانحدرت إلى الحوض الواسع. ومع مرور الزمن، جفت المياه تحت شمس الأنديز وتحولت إلى الامتداد الأبيض الهائل الذي نراه اليوم. ولهذا ترتبط المنطقة في بعض التقاليد المحلية باسم سالار دي تونوبا، نسبة إلى الجبل والأسطورة المرتبطة به. وتمنح هذه الحكاية الطبيعية القاسية بعدًا إنسانيًا يقوم على الفقد والذاكرة والارتباط بالأرض.
الحياة في أقصى الظروف
للوهلة الأولى، يبدو السالار مكانًا لا يمكن للحياة أن تستمر فيه. فالارتفاع الكبير يعني هواءً أقل كثافة، وضوء الشمس قوي للغاية، بينما تهبط درجات الحرارة ليلًا إلى مستويات شديدة البرودة. ومع ذلك، أظهرت الحياة في الأنديز قدرة مذهلة على التكيف. تظهر وسط البحر الأبيض من الملح جزر صخرية ترتفع عن سطح السالار، وهي بقايا جيولوجية قديمة ظلت فوق مستوى المياه عندما كانت المنطقة مغمورة بالبحيرات. ومن أشهرها جزيرة إنكاهواسي Incahuasi. تغطي الجزيرة نباتات صبار عملاقة من أنواع أنديزية بطيئة النمو، ويصل ارتفاع بعضها إلى عدة أمتار، وقد يكون عمر بعضها مئات السنين. كما تشهد المنطقة وجود طيور الفلامنغو في مواسم معينة. وتوجد في جنوب غرب بوليفيا ثلاثة أنواع رئيسية من الفلامنغو: الفلامنغو التشيلي، والأنديزي، وفلامنغو جيمس. تتغذى هذه الطيور في البحيرات والمسطحات المائية المالحة المحيطة على الطحالب والكائنات الدقيقة التي تتحمل التركيزات العالية من الأملاح. ويخلق اجتماع اللون الوردي للطيور مع الأرض البيضاء والسماء الزرقاء واحدًا من أكثر مشاهد الحياة البرية غرابة وجمالًا في جبال الأنديز.
الكنز تحت الملح: الليثيوم
تحت القشرة البيضاء لسالار دي أويوني توجد كميات هائلة من المحاليل الملحية الغنية بالمعادن، وأهمها الليثيوم. ولهذا أصبح السالار في العقود الأخيرة جزءًا من نقاش عالمي حول مستقبل الطاقة. فالليثيوم عنصر أساسي في البطاريات المستخدمة في الهواتف والحواسيب والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة. وتملك بوليفيا موارد ضخمة من الليثيوم، وإن كانت التقديرات الدقيقة لحجمها ونسبة ما يمثله سالار دي أويوني من الاحتياطات أو الموارد العالمية تختلف من مصدر إلى آخر. وهنا يظهر تحدٍ اقتصادي وبيئي كبير. فكيف يمكن لبوليفيا الاستفادة من هذه الثروة المعدنية وتحويلها إلى تنمية اقتصادية من دون الإضرار بنظام بيئي فريد أو استنزاف الموارد المائية في منطقة جافة أصلًا؟ بالنسبة للقارئ العربي، يمكن النظر إلى هذه المعضلة من خلال مفهوم الأمانة: مسؤولية الإنسان عن حسن إدارة الموارد التي يمتلكها وعدم إفسادها من أجل مكاسب قصيرة الأجل. إن قصة سالار دي أويوني اليوم لم تعد مجرد قصة جيولوجيا وسياحة، بل أصبحت أيضًا جزءًا من سؤال عالمي حول العلاقة بين الطاقة النظيفة وحماية البيئة.
الخاتمة
سالار دي أويوني مكان يصعب وصفه بالمقاييس المعتادة. إنه بقايا بحيرات اختفت منذ آلاف السنين، ومشهد طبيعي تحيط به أساطير السكان الأصليين، ومصدر مهم للمعادن التي قد تلعب دورًا كبيرًا في مستقبل الطاقة العالمية. وفي موسم الجفاف، يبدو كصحراء بيضاء بلا نهاية. أما عندما تغطيه المياه، فيتحول إلى مرآة هائلة تختفي فوقها الحدود بين الأرض والسماء. وفي الحالتين، يمنح الزائر إحساسًا نادرًا بالصمت والاتساع. إنه تذكير بقوة الأرض وقدرتها الدائمة على التغير، ودعوة للتأمل في موقع الإنسان داخل عالم أقدم منه بكثير وأكثر تعقيدًا مما تبدو عليه مناظره للوهلة الأولى.