تاريخ أمريكا اللاتينية، حضارة المايا، الرياضيات، علم الفلك، تاريخ العلوم

المايا والصفر: كيف اكتشفت حضارتان "اللاشيء" على ضفتي المحيط

10 Oct 2026 1 min read 4 words

في كل مرة تكتب فيها رقم هاتف، أو تتفقد رصيدك المصرفي، أو تنظر إلى الساعة، فإنك تستخدم رقماً مألوفاً إلى درجة أننا ننسى أنه كان يوماً فكرة ثورية: الصفر. ففكرة أن "اللاشيء" يمكن أن يُكتب رمزاً ويُستخدم في الحساب غيّرت مجرى التاريخ الإنساني. وما لا يعرفه كثيرون أن هذه الفكرة نشأت بصورة مستقلة على جانبين متباعدين من العالم. فأحد الطريقين يمتد من الهند عبر بغداد إلى أوروبا، وقد حمله العلماء العرب. والطريق الآخر يمر عبر الغابات المطيرة في أمريكا الوسطى، حيث نقش المايا صفرهم الخاص على الحجر.

المايا: فلكيّو الغابات المطيرة

ازدهرت حضارة المايا قروناً طويلة فيما يُعرف اليوم بجنوب المكسيك وغواتيمالا وبليز وأجزاء من هندوراس والسلفادور. وشهدت فترتها الكلاسيكية، الممتدة تقريباً بين عامي 250 و900 للميلاد، قيام مدن عظيمة مثل تيكال وبالينكي وكوبان وكالاكمول، بأهراماتها الشاهقة وقصورها الملكية وملاعبها الواسعة.

لكن المايا لم يكونوا بنّائين فحسب، بل كانوا من أمهر الفلكيين والرياضيين في العالم القديم. فقد راقب علماؤهم حركة الشمس والقمر وكوكب الزهرة بصبر استثنائي، ودوّنوا ملاحظاتهم جيلاً بعد جيل. ولكي يتعاملوا مع كل هذه الأرقام احتاجوا إلى نظام عدّ قوي، وكان الصفر في قلب هذا النظام.

ولم تكن هذه المعرفة حكراً على الكهنة وحدهم، بل كانت مرتبطة بحياة الناس اليومية؛ فمواعيد الزراعة والحصاد والمناسبات الكبرى كانت تُحدَّد وفق حسابات دقيقة لحركة الأجرام السماوية، تماماً كما كان الفلاحون والتجار في العالم العربي يعتمدون على منازل القمر والنجوم في تنظيم مواسمهم وأسفارهم.

صفر على شكل صَدَفة

كان المايا يعدّون بالنظام العشريني، أي على أساس العدد عشرين بدلاً من العشرة التي نستخدمها اليوم، وربما يعود ذلك إلى أنهم كانوا يعدّون بأصابع اليدين والقدمين معاً. وكانوا يكتبون أرقامهم بثلاثة رموز فقط: نقطة للواحد، وخط أفقي للخمسة، وعلامة خاصة للصفر كثيراً ما رُسمت على هيئة صَدَفة.

وباستخدام هذه الرموز البسيطة مرتّبة في خانات عمودية، كان الكاتب من المايا يستطيع أن يكتب أعداداً كبيرة جداً بسهولة. وكما هو الحال في نظامنا الحديث، كانت قيمة كل رمز تعتمد على موضعه، وكان الصفر يؤدي دور العلامة التي تشير إلى خانة فارغة. وهذا هو المبدأ ذاته الذي تقوم عليه أرقامنا اليوم. وتُظهر نقوش المايا أن هذا المفهوم كان مستخدماً منذ القرن الرابع الميلادي، بل قد تكون بعض التواريخ التقويمية في المنطقة المحيطة أقدم من ذلك، مما يجعله من أقدم الاستخدامات المعروفة للصفر في العالم كله.

تقاويم بدقة مذهلة

استخدم المايا رياضياتهم لبناء تقاويم دقيقة على نحو لافت. فقد جمعوا بين تقويم طقسي من 260 يوماً يُسمّى "تزولكين"، وتقويم شمسي من 365 يوماً يُسمّى "هاب". وكانت الدورتان تتشابكان مثل تروس الآلة، فتعودان إلى نقطة البداية نفسها كل 52 عاماً.

ولتسجيل الحقب التاريخية الطويلة، استخدموا ما يُعرف بـ"العدّ الطويل"، وهو نظام يحسب الأيام انطلاقاً من نقطة بداية ثابتة في الماضي البعيد. وكانت ملاحظاتهم لكوكب الزهرة دقيقة إلى حد أن الجداول المحفوظة في "مخطوطة دريسدن"، وهي واحدة من أربعة كتب فقط للمايا نجت حتى اليوم، كانت قادرة على التنبؤ بدورات الكوكب بخطأ ضئيل على مدى فترات طويلة. وفي مدينة تشيتشن إيتزا بالمكسيك، يُعتقد على نطاق واسع أن مبنى دائرياً يُعرف باسم "إل كاراكول" كان يُستخدم مرصداً فلكياً.

في الوقت نفسه، في بغداد

بينما كان المايا يطوّرون تقاويمهم، كانت ثورة فكرية أخرى تجري في العالم العربي. ففي الهند، طوّر رياضيون مثل براهماغوبتا نظاماً عددياً عشرياً يتضمن الصفر، ووضع براهماغوبتا عام 628 للميلاد قواعد الحساب به. ووصلت هذه المعرفة إلى بغداد، حيث رعى الخلفاء العباسيون العلماء في "بيت الحكمة" الشهير.

وحوالي عام 825 للميلاد، ألّف عالم الرياضيات الكبير محمد بن موسى الخوارزمي كتاباً يشرح فيه كيفية الحساب بهذه الأرقام الهندية. وحين تُرجم إلى اللاتينية بعد قرون، تحوّل اسمه إلى "ألغوريتمي"، ومنه جاءت كلمة "الخوارزمية" (Algorithm) المستخدمة اليوم في كل علوم الحاسوب. أما كتابه الشهير الآخر فقد منح العالم كلمة "الجبر" (Algebra). وانتقلت الكلمة العربية "صِفر"، أي الفارغ، إلى اللغات الأوروبية فصارت "cipher"، ثم صارت عبر الإيطالية "zero". وحين روّج عالم الرياضيات الإيطالي فيبوناتشي لهذه الأرقام في أوروبا عام 1202، كان قد تعلمها من تجار ومعلمين عرب في شمال أفريقيا. ولهذا لا تزال الأرقام التي نستخدمها اليوم تُعرف في أنحاء العالم باسم "الأرقام العربية".

قصتان وفضول إنساني واحد

لم يلتقِ المايا والعرب قط. فقد فصل بينهما محيط واسع، وطوّر كلٌّ منهما تقاليده الرياضية بصورة مستقلة. ومع ذلك جمع بين الحضارتين فضول عميق واحد تجاه السماء والزمن والنظام. فكلتاهما بنت المراصد، وكلتاهما وضعت تقاويم دقيقة، وكلتاهما أدركت أن "اللاشيء" يمكن أن يكون من أقوى الأفكار في الرياضيات.

ومن المؤسف أن قسماً كبيراً من التراث المكتوب للمايا قد ضاع. ففي عام 1562 أمر الراهب الإسباني دييغو دي لاندا بإحراق كتب المايا في بلدة ماني بشبه جزيرة يوكاتان، ولم ينجُ منها إلا أربع مخطوطات معروفة. أما التراث العلمي العربي، الذي حُفظ في المكتبات وتُرجم إلى اللاتينية، فقد كان حظه أفضل، وأسهم في إشعال النهضة العلمية في أوروبا.

رحلة لأصحاب العقول الفضولية

بالنسبة للمسافر العربي المحب للعلم والتاريخ، تقدم زيارة مواقع المايا نوعاً خاصاً من الدهشة. فحين تقف أمام هرم كوكولكان في تشيتشن إيتزا، حيث يظهر ظل ثعبان على درجاته في أيام الاعتدالين الربيعي والخريفي، ستشعر بروح الرصد والتأمل ذاتها التي ألهمت الفلكيين في بغداد ودمشق وسمرقند. إنها تذكرة بأن الأفكار العظيمة يمكن أن تولد في أي مكان، وبأن العالم العربي وأمريكا اللاتينية يتقاسمان إرثاً يبعث على الفخر في خدمة المعرفة الإنسانية. وفي المرة القادمة التي تكتب فيها صفراً، تذكّر أن له جدّين عريقين: أحدهما في بغداد، والآخر في غابات المايا المطيرة.

هل أعجبك المقال؟