تاريخ أمريكا اللاتينية، المهجر العربي، الهجرة، لبنان، سوريا، فلسطين

روّاد الشام: كيف أسهم المهاجرون العرب في بناء أمريكا اللاتينية الحديثة

08 Oct 2026 1 min read 0 words

في أسواق ساو باولو، وشوارع سانتياغو، وساحات مدينة ميريدا في المكسيك، قد تسمع أسماء عائلات تبدو مألوفة جداً للأذن العربية: حداد، خوري، صعب، ناصر، بوكيلة، سليم. ووراء كل اسم من هذه الأسماء قصة أسرة بدأت قبل أكثر من قرن في قرى بلاد الشام وبلداتها. إنها واحدة من أروع قصص الهجرة في التاريخ الحديث، ولا تزال مجهولة لدى كثير من القرّاء في العالم العربي، رغم أنها قصة عربية في جوهرها، كتبها أجدادنا بعرقهم وصبرهم على الضفة الأخرى من المحيط.

لماذا غادروا بلاد الشام؟

بدأت الهجرة الواسعة من بلاد الشام، التي كانت تضم ما يُعرف اليوم بلبنان وسوريا وفلسطين والأردن، في ثمانينيات القرن التاسع عشر تقريباً. وكانت المنطقة آنذاك جزءاً من الدولة العثمانية. وقد دفعت الضائقة الاقتصادية، وتراجع صناعة الحرير في جبل لبنان، وتزايد عدد السكان، وحالة عدم الاستقرار السياسي، كثيراً من الشبان والأسر إلى البحث عن فرص جديدة خلف البحار.

اتجه بعضهم إلى الولايات المتحدة، لكن عدداً كبيراً جداً اختار أمريكا اللاتينية. فقد كانت بلدان مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي والمكسيك تنمو بسرعة، وترحب بالقادمين الجدد القادرين على العمل والتجارة. ولأن أوائل الواصلين كانوا يحملون وثائق سفر عثمانية، فقد أطلق عليهم السكان المحليون لقب "توركوس"، أي "الأتراك"، وهو لقب ضايق كثيراً من الأسر لأنهم كانوا عرباً يعتزون بعروبتهم ولم يكونوا أتراكاً قط. غير أن إنجازاتهم مع مرور الزمن حلّت محل هذا اللقب، وجعلت الاحترام يسبق أسماءهم أينما ذُكرت.

من الباعة المتجولين إلى أعمدة الاقتصاد

وصل كثير من المهاجرين الأوائل بمال قليل، ودون أن يعرفوا الإسبانية أو البرتغالية. وكان الطريق الشائع أمامهم هو البيع المتجول. فكانوا يحملون الأقمشة والإبر والأزرار والأدوات المنزلية على ظهورهم، وينتقلون من مزرعة إلى مزرعة ومن قرية إلى أخرى. وفي المناطق النائية التي تندر فيها المتاجر، أصبح البائع العربي المتجول، المعروف في البرازيل باسم "ماسكاتي"، زائراً مألوفاً ينتظره الناس بترحاب، لأنه يحمل إليهم ما لا يجدونه قريباً منهم.

وبالصبر والادخار، افتتح هؤلاء الباعة متاجر صغيرة، ثم تحولت المتاجر إلى شركات للبيع بالجملة ومصانع. ففي ساو باولو ارتبط شارع "25 دي مارسو" الشهير ارتباطاً وثيقاً بالتجار السوريين واللبنانيين، ولا يزال حتى اليوم من أكثر الشوارع التجارية ازدحاماً في أمريكا اللاتينية كلها. وفي المكسيك، بنت أسرة كارلوس سليم، الذي هاجر والده جوليان سليم حداد من بلدة جزين في لبنان، إرثاً تجارياً جعل منه في النهاية واحداً من أغنى أغنياء العالم.

الجالية الفلسطينية المدهشة في تشيلي

تحتضن تشيلي واحداً من أبرز فصول هذه القصة. فالجالية الفلسطينية هناك، التي ينحدر معظم أفرادها من أسر مسيحية من بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، تُقدَّر في الغالب بمئات الآلاف، وكثيراً ما توصف بأنها أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربي. وقد حافظت هذه الجالية على روابطها بأرض الأجداد جيلاً بعد جيل، رغم آلاف الكيلومترات التي تفصلها عنها.

وفي عام 1920 أسس أبناء هذه الجالية نادي "ديبورتيفو باليستينو" في العاصمة سانتياغو. وبعد أكثر من قرن، لا يزال النادي يلعب في الدرجة الأولى للدوري التشيلي، ويرتدي لاعبوه قمصاناً بألوان العلم الفلسطيني. وبالنسبة لكثير من التشيليين من أصل فلسطيني، فإن النادي أكثر من مجرد فريق رياضي؛ إنه رمز حيّ للذاكرة والهوية يتوارثه الأحفاد عن الأجداد، ومناسبة تجتمع فيها العائلات كل أسبوع.

شعراء وأدباء وحركة أدب المهجر

لم يحمل المهاجرون العرب إلى أمريكا اللاتينية مهارات التجارة فحسب، بل حملوا أيضاً حباً عميقاً للغة العربية. ففي البرازيل والأرجنتين ظهرت صحف ومجلات عربية منذ مطلع القرن العشرين. وفي عام 1932 أسست مجموعة من الأدباء العرب في ساو باولو "العصبة الأندلسية"، وهي رابطة أدبية يحمل اسمها ذاته حنيناً إلى العصر الذهبي للأندلس.

وينتمي هؤلاء الأدباء إلى ما يسميه النقاد العرب "أدب المهجر". فقد كتب شعراء مثل رشيد سليم الخوري، الملقب بـ"الشاعر القروي"، قصائد مؤثرة عن الحنين إلى الوطن والإيمان والهوية. وكانت أعمالهم تُقرأ وتلقى الإعجاب في بيروت ودمشق والقاهرة، فبنت جسراً ثقافياً عبر المحيط. وقد واصلت الأجيال اللاحقة هذا التقليد بالبرتغالية والإسبانية؛ فالروائي البرازيلي ميلتون حاطوم، المولود في مدينة ماناوس لأسرة من أصل لبناني، يُعد اليوم من أكثر الكتّاب احتراماً في البرازيل.

رؤساء من أصول عربية

ولعل أوضح علامة على عمق اندماج المهاجرين العرب في مجتمعات أمريكا اللاتينية هي العلامة السياسية. فقد تولى عدد من رؤساء الدول من أصول عربية مقاليد الحكم. فكارلوس منعم، رئيس الأرجنتين من 1989 إلى 1999، كان ابناً لمهاجرين سوريين من بلدة يبرود. وخوليو سيزار تورباي أيالا، رئيس كولومبيا من 1978 إلى 1982، كان والده لبنانياً. وفي الإكوادور، كان لكل من عبد الله بوكرم وجميل معوض جذور لبنانية. وفي السلفادور، ينحدر كل من أنطونيو سقا ونجيب بوكيلة من أسر ذات أصول فلسطينية. كما تضم هندوراس جالية فلسطينية كبيرة وصل بعض أبنائها إلى أعلى منصب في البلاد.

أطباق عبرت المحيط

وجد المطبخ العربي أيضاً بيتاً دافئاً في القارة. ففي البرازيل تُباع "الكبة" باسم "كيبي"، و"الصفيحة" باسم "إسفيها"، في المخابز والمقاهي الصغيرة في أنحاء البلاد، ويعدّها كثير من البرازيليين جزءاً من ثقافتهم الغذائية الوطنية. وفي شبه جزيرة يوكاتان المكسيكية، حيث استقرت جالية لبنانية كبيرة، أصبحت "الكبة" وجبة شعبية تُباع في الشوارع. أما الحمص والتبولة وورق العنب المحشي فتجدها في قوائم المطاعم من بوينس آيرس إلى بوغوتا.

جسر بين عالمين

قد يكون اكتشاف هذا التاريخ تجربة مؤثرة للمسافر العربي. فلقاء صاحب متجر في ساو باولو جاء جدّه الأكبر من قرية قرب زحلة، أو حضور مباراة لنادي باليستينو في سانتياغو، يذكّرنا بأن العالم العربي وأمريكا اللاتينية مرتبطان بصلة الدم والذاكرة، لا بصفحات كتب التاريخ فقط. واليوم يشكّل الملايين من أبناء أمريكا اللاتينية ذوي الأصول العربية جسراً طبيعياً بين المنطقتين، جسراً يمكن أن يزداد متانة بالسفر والتجارة والتبادل الثقافي. وحين تزور القارة، لا تستغرب إن ابتسم لك أحدهم حين يسمع لهجتك، وقال لك بفخر: "جدّي كان عربياً أيضاً".

هل أعجبك المقال؟