تقويم الآلهة: أسرار تشيتشن إيتزا
على امتداد التاريخ الإنساني، رفعت الحضارات الكبرى أبصارها إلى السماء محاولةً فهم موقع الإنسان في الكون. وكما راقب علماء الفلك في الشرق الأوسط قديمًا النجوم بدقة للاستدلال بها في السفر ووضع المواقيت الزراعية، امتلك شعب المايا في أمريكا الوسطى معرفة فلكية متقدمة بصورة لافتة.
وفي أعماق شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك الحديثة، وسط الغابات الكثيفة، تقف تشيتشن إيتزا بوصفها أحد أعظم التعبيرات المادية عن هذه المعرفة.
كانت المدينة واحدة من أهم المراكز الحضرية وأكثرها نفوذًا في الأمريكتين قبل وصول الأوروبيين، لكنها ليست مجرد مجموعة من الأطلال الأثرية. فمن مبانيها ومعابدها يتضح كيف استطاع شعب المايا الجمع بين الرياضيات والفلك والعمارة في منظومة حضارية متكاملة، حتى بدت المدينة نفسها وكأنها أداة علمية ضخمة مصنوعة من الحجر.
حين اجتمع العلم بالحجر
في قلب تشيتشن إيتزا يقف أشهر مبانيها: معبد كوكولكان، المعروف أيضًا باسمه الإسباني إل كاستيو، أي «القلعة».
يرتفع هذا الهرم المدرج نحو 30 مترًا فوق الساحة الرئيسية، وعلى الرغم من جماله المعماري، فإن أكثر ما يثير الاهتمام فيه هو النظام الرياضي الكامن وراء تصميمه.
كان المايا متقدمين في الرياضيات، واعتمدوا نظامًا عدديًا أساسه الرقم 20، كما طوّروا مفهوم الصفر بصورة مستقلة قبل انتشاره الواسع في أوروبا بقرون.
وقد انعكست هذه المعرفة الرياضية مباشرة على عمارتهم.
يحتوي الهرم على أربعة سلالم رئيسية، يضم كل واحد منها 91 درجة حجرية. وعند ضرب 91 في أربعة نحصل على 364 درجة. وإذا أضفنا المنصة العليا يصبح العدد 365، وهو عدد أيام السنة الشمسية.
ويرى الباحثون أن هذا التوافق يعكس الصلة القوية بين تصميم الهرم والنظام الزمني عند المايا.
كما يتكون المبنى من تسعة مستويات مدرجة. وعند تقسيمها بواسطة السلالم تظهر 18 واجهة مدرجة، وهو عدد يتوافق مع الأشهر الثمانية عشر في تقويم هاب عند المايا، الذي كان يتكون من 18 شهرًا، كل منها 20 يومًا، إضافة إلى خمسة أيام أخرى في نهاية السنة.
بهذه الطريقة لم تكن العمارة مجرد بناء ضخم، بل وسيلة لتمثيل الزمن وحركة الكون داخل قلب المدينة نفسها.
ظاهرة الاعتدالين
يظهر الجانب الأكثر إثارة في العلاقة بين معبد كوكولكان والشمس في الفترات القريبة من اعتدالي الربيع والخريف.
فمع اقتراب غروب الشمس، تسقط ظلال زوايا الهرم على الدرابزين الحجري للسلم الشمالي، فتتكون سلسلة من الأشكال المثلثة المتتابعة.
ومع تحرك الشمس تدريجيًا، يبدو أن هذه الظلال تمتد على جانب السلم حتى تتصل برأس أفعى حجري ضخم منحوت عند قاعدته.
وينتج عن ذلك مشهد بصري يوحي بأن أفعى ضخمة تنساب على جانب الهرم.
وترتبط هذه الأفعى بالإله كوكولكان، الذي عُرف في ثقافات أمريكا الوسطى بصورة «الأفعى ذات الريش».
ومن المرجح أن ارتباط الظاهرة بحركة الشمس والفصول منحها أهمية دينية وزراعية في آن واحد. ففي مجتمع يعتمد بصورة أساسية على الزراعة، كان فهم الفصول ومواعيد الأمطار والزراعة والحصاد أمرًا بالغ الأهمية.
وهكذا أصبحت العمارة والفلك والطقوس الدينية جزءًا من منظومة واحدة تربط حياة الناس بدورات الطبيعة.
الماء: سر بقاء المدينة
لا يمكن لأي مدينة كبرى أن تزدهر دون مصدر ثابت للمياه.
فبينما اعتمد المصريون القدماء على النيل، وازدهرت حضارات بلاد الرافدين بين دجلة والفرات، واجه سكان يوكاتان مشكلة مختلفة تمامًا.
فالمنطقة لا تحتوي على شبكة كبيرة من الأنهار السطحية، لأن أرضها تتكون إلى حد كبير من الحجر الجيري المسامي، الذي يسمح للمياه بالتسرب إلى باطن الأرض.
ولهذا اعتمد المايا على الآبار الطبيعية المعروفة باسم السينوتي Cenotes، وهي تجاويف تنشأ عندما ينهار جزء من طبقة الحجر الجيري، فينكشف الماء الجوفي الموجود أسفلها.
ويعني اسم «تشيتشن إيتزا» تقريبًا «عند فم بئر الإيتزا»، وهو اسم يكشف عن الأهمية المركزية للمياه في نشأة المدينة.
فقد أُقيمت تشيتشن إيتزا بالقرب من عدة سينوتات كبيرة وفّرت المياه لسكانها طوال العام.
ومن أشهرها السينوتي المقدس، الذي لم يكن مصدرًا للمياه فحسب، بل ارتبط أيضًا بعقائد دينية عميقة.
فقد نظر المايا إلى بعض هذه التجاويف المائية بوصفها أماكن ذات صلة بالعالم المقدس وعالم ما وراء الطبيعة.
وهكذا جمع الماء في حياتهم بين الضرورة اليومية والمعنى الروحي.
التنظيم الاجتماعي والملعب الكبير
لم تكن تشيتشن إيتزا مركزًا دينيًا وعلميًا فقط، بل كانت أيضًا مدينة تجارية واجتماعية مهمة، وهو ما يتضح من ضخامة منشآتها العامة.
ومن أشهرها الملعب الكبير للكرة، وهو أكبر ملعب معروف للعبة الكرة في أمريكا الوسطى القديمة.
يمتد الملعب أكثر من 150 مترًا، وتحف به جدران حجرية مرتفعة. وكانت تقام فيه لعبة ذات أهمية سياسية ودينية واجتماعية كبرى في حضارات المنطقة.
ويشتهر الملعب أيضًا بخصائصه الصوتية غير العادية.
فالتصميم المعماري يسمح بانتقال الأصوات والصدَى لمسافات واضحة داخل الساحة، وهو أمر أثار اهتمام الباحثين الذين درسوا الخصائص الصوتية للموقع.
لكن بعض الروايات الشائعة، مثل إمكانية سماع الكلام العادي بوضوح تام من طرف الملعب إلى الطرف الآخر أو ارتداد التصفيق سبع مرات دائمًا، تحتاج إلى التعامل معها بحذر لأنها تُبالغ أحيانًا في تفسير الظاهرة.
ومع ذلك، فلا شك أن تصميم الملعب خلق بيئة صوتية مميزة ساعدت على تعزيز الطابع الجماعي والاحتفالي للأحداث التي كانت تقام داخله.
أفول مدينة عظيمة
رغم قوتها وثروتها وتقدمها، لم تستمر تشيتشن إيتزا في موقعها السياسي نفسه إلى الأبد.
فابتداءً من القرنين الثاني عشر والثالث عشر تقريبًا، بدأت أهميتها السياسية تتراجع.
ولا يوجد تفسير واحد متفق عليه تمامًا لهذا التحول، إذ يرجح الباحثون اجتماع عدة عوامل، من بينها التغيرات السياسية والصراعات الإقليمية وتحول طرق التجارة والظروف البيئية.
كما تشير الدراسات إلى أن فترات الجفاف الطويلة لعبت دورًا مهمًا في أزمات بعض مناطق حضارة المايا، وإن كان من الصعب اختزال تراجع تشيتشن إيتزا في عامل بيئي واحد.
وتدريجيًا فقدت المدينة مكانتها السابقة، وانتقل مركز القوة إلى مدن ومناطق أخرى.
وعندما وصل الإسبان إلى يوكاتان في القرن السادس عشر، لم تكن تشيتشن إيتزا مركزًا سياسيًا مزدهرًا كما كانت من قبل، لكن الموقع لم يكن مجهولًا للسكان الأصليين، وظل حاضرًا في الذاكرة المحلية.
الخاتمة
اليوم تُعد تشيتشن إيتزا أحد أهم المواقع الأثرية في العالم، وهي مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، كما اختيرت ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.
لكن أهميتها تتجاوز شهرتها السياحية.
فهي شاهد باقٍ على حضارة استطاعت استخدام الحجر والرياضيات والرصد الفلكي لفهم الزمن وتنظيم الحياة وربط الإنسان بحركة الطبيعة والسماء.
وتذكرنا تشيتشن إيتزا بأن السعي إلى فهم الكون لم يكن حكرًا على حضارة واحدة أو منطقة واحدة من العالم، بل كان هاجسًا إنسانيًا مشتركًا.
ولا تزال معابدها وساحاتها وأحجارها تحمل أثر مجتمع نظر إلى السماء، وحوّل ملاحظاته إلى عمارة بقيت واقفة قرونًا بعد رحيل بناتها.