قادة من ورق وعزيمة: الرؤساء والقادة اللاتينيون من أصول عربية

تركت موجات الهجرة الضخمة القادمة من بلاد الشام — وتحديداً من لبنان وسوريا وفلسطين — إلى أمريكا اللاتينية خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بصمة لا تُمحى على المشهد الثقافي والاقتصادي والسياسي في المنطقة. هرباً من الأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة في أواخر عهد الدولة العثمانية، وصل هؤلاء المهاجرون إلى شواطئ العالم الجديد، وكان يُطلق عليهم خطأً اسم "التوركوس" (الأتراك) نظراً لحملهم جوازات سفر عثمانية. وعلى الرغم من التحديات الأولية المتمثلة في اختلاف اللغة والثقافة، فضلاً عن بعض مظاهر التمييز، إلا أنهم سرعان ما اندمجوا في مجتمعاتهم الجديدة، وبرزوا أولاً كعناصر فاعلة في التجارة والصناعة، ثم كقوى سياسية لا يمكن الاستهانة بها.

اليوم، تُقدر أعداد الشتات العربي في أمريكا اللاتينية بما بين 15 إلى 30 مليون نسمة، مما يمثل أكبر تجمّع للمتحدرين من أصول عربية خارج منطقة الشرق الأوسط. ولعل الدليل الأكثر وضوحاً على النجاح الباهر لهذا الاندماج هو العدد الكبير من القادة والرؤساء اللاتينيين من أصول عربية الذين ارتقوا إلى سدة الحكم في بلدانهم. فبدلاً من البقاء على هامش المجتمع، ساهم أبناء هؤلاء المهاجرين الشوام بشكل جوهري في صياغة التاريخ السياسي الحديث للقارة الأمريكية.

الأرجنتين: كارلوس منعم (أصول سورية)

عند الحديث عن القادة اللاتينيين البارزين من أصول عربية، غالباً ما يكون اسم كارلوس شاؤول منعم هو أول ما يتبادر إلى الذهن. وُلد منعم في مقاطعة لاريوخا الريفية لأبوين مهاجرين من سوريا، وهيمن على السياسة الأرجنتينية طوال فترة التسعينيات. وتولى رئاسة الأرجنتين من عام 1989 إلى عام 1999، وكان شخصية كاريزمية ومؤثرة للغاية ومثيرة للجدل في آن واحد.

ورث منعم بلداً يعاني من التضخم المفرط والشلل الاقتصادي. ورداً على ذلك، طبّق سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية الجريئة، شملت خصخصة الشركات المملوكة للدولة وربط البيزو الأرجنتيني بالدولار الأمريكي بموجب قانون المقارنة النقدية. ولفترة من الوقت، نجحت هذه السياسات في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وجلبت موجة من الازدهار والاستثمارات الأجنبية، مما عزز شعبيته وجدد ولايته. ورغم أن فترته الرئاسية شابتها لاحقاً قضايا فساد، وساهمت سياساته الاقتصادية في الأزمة الشهيرة التي ضربت الأرجنتين عام 2001، إلا أن العقد الذي قضاه في الحكم يظل حقبة محورية في تاريخ أمريكا الجنوبية.

السلفادور: نجيب بقيلة وأنطونيو سقا (أصول فلسطينية)

تضم السلفادور جالية فلسطينية ذات نفوذ اقتصادي وسياسي كبير، تتكون في معظمها من عائلات مسيحية هاجرت من مدينتي بيت لحم والقدس. وقد أنتجت هذه الجالية قوة سياسية لافتة، أثمرت عن وصول شخصيتين من أصول فلسطينية إلى كرسي الرئاسة في العقود الأخيرة.

الشخصية الأكثر شهرة وعالمية اليوم هو نجيب بقيلة (نايب بوكيلي)، الرئيس الحالي لجمهورية السلفادور. وُلد بقيلة لأب فلسطيني (كان رجل أعمال بارزاً وإماماً) وأم سلفادورية، وقد أحدث ثورة شاملة في المشهد السياسي لبلاده. يشتهر بقيلة بأسلوبه العصري، واعتماده المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي، وقراره التاريخي باعتماد عملة "البيتكوين" كعملة قانونية في البلاد. لكن التأثير الأبرز لبقيلة يكمن في حربه غير المسبوقة ضد العصابات الإجرامية (الـ ماراس). فمن خلال إعلان حالة الطوارئ واعتقال عشرات الآلاف من أفراد العصابات، نجح في تحويل السلفادور من واحدة من أخطر الدول في العالم إلى واحدة من أكثرها أماناً في النصف الغربي من الكرة الأرضية، مما منحه نسب تأييد داخلي قياسية، رُغم بعض الانتقادات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

وقبل بقيلة، انتخبت البلاد إلياس أنطونيو سقا، الذي ينحدر أيضاً من عائلة مهاجرة من بيت لحم، وشغل منصب الرئيس من عام 2004 إلى عام 2009. وعلى الرغم من أن إدارته المحافظة والمؤيدة لقطاع الأعمال كانت مقربة من الولايات المتحدة، إلا أن إرثه السياسي تضرر كثيراً بعد خروجه من الحكم بسبب قضايا فساد مالي أدت إلى سجنه لاحقاً.

البرازيل: ميشيل تامر (أصول لبانية)

تعتبر البرازيل موطناً لأكبر جالية لبنانية في العالم؛ حيث تشير الإحصاءات الشائعة إلى أن عدد البرازيليين من أصول لبناني يفوق عدد سكان لبنان نفسه. لذلك، كان من الطبيعي أن ينعكس هذا الثقل الديموغرافي على أعلى المستويات السياسية في البلاد.

ميشيل تامر، رجل القانون والسياسي المخضرم المولود لأبوين مسيحيين مارونيين هاجرا من قرية "بتعبورة" في شمال لبنان، شغل منصب الرئيس السابع والثلاثين للبرازيل من عام 2016 إلى عام 2018. وتولى تامر الرئاسة بعد أن كان نائباً للرئيس، وذلك عقب عزل الرئيسة ديلما روسيف. ركزت إدارته بشكل أساسي على تمرير إصلاحات مالية تقشفية وتعديل قوانين العمل لإخراج البرازيل من حالة الركود الاقتصادي العميق. ورغم الفترة القصيرة والصعبة التي قضاها في الحكم، إلا أن قراراته كانت حاسمة في توجيه مسار أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية.

الإكوادور: معقل النفوذ السياسي اللبناني

تتمتع دولة الإكوادور، الواقعة في جبال الأنديز، بتاريخ غني بشكل خاص في انتخاب قادة من أصول عربية، وتحديداً من الجالية اللبنانية التي استقرت في مدن مثل غواياكيل وكيتو.

جميل معوض: تولى رئاسة البلاد من عام 1998 إلى عام 2000. واجه معوض (وهو من أصول لبنانية وألمانية) أزمة اقتصادية ومالية خانقة هددت بانهيار الدولة. واتخذ في عام 2000 القرار التاريخي والجريء بـ "دولرة" الاقتصاد الإكوادوري، مضحياً بالعملة الوطنية (السوكريه) لصالح الدولار الأمريكي لوقف التضخم الجامح. ورغم أن هذا القرار ثبّت الأسعار على المدى الطويل، إلا أن الصدمة الفورية للاقتصاد أدت إلى احتجاجات شعبية عارمة أطاحت به من السلطة.

عبد الله بوكرم: يُعرف شعبياً بلقب "المجنون" بسبب سلوكه غير التقليدي، وخطاباته الحماسية، وميله للغناء والعزف في الحملات الانتخابية. شغل بوكرم (وهو من أصول لبنانية) منصب الرئيس لفترة وجيزة وعاصفة من عام 1996 حتى عزله الكونغرس في عام 1997 بتهمة "العجز العقلي" عن إدارة البلاد وسط احتجاجات ضد الفساد.

كولومبيا والباراغواي: تورباي وعبدو بينيتيز

يمتد النفوذ السياسي للشتات العربي ليشمل دولاً أخرى في القارة. ففي كولومبيا، تولى خوليو سيزار تورباي أيالا، وهو ابن لمهاجر لبناني، رئاسة الجمهورية من عام 1978 إلى عام 1982. وتميزت فترة حكمه بنهج عسكري صارم لمواجهة الصعود المتنامي لحركات التمرد اليسارية المسلحة وتجارة المخدرات في بداياتها.

وفي باراغواي، شغل ماريو عبدو بينيتيز، الذي ينحدر والده من أصول لبنانية، منصب رئيس الجمهورية من عام 2018 إلى عام 2023. وقاد عبدو بينيتيز، الممثل لحزب "كولورادو" المحافظ، البلاد خلال التحديات الهائلة التي فرضتها الجائحة العالمية، مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد القائم على التصدير الزراعي.

جمهورية الدومينيكان: لويس أبي نادر

بالانتقال إلى منطقة البحر الكاريبي، نجد لويس أبي نادر، الرئيس الحالي لجمهورية الدومينيكان. فاز أبي نادر بالرئاسة في عام 2020 وأُعيد انتخابه لولاية ثانية. وتعود جذور عائلته إلى جده لأبيه الذي كان مهاجراً لبنانياً وصَل إلى البلاد في أواخر القرن التاسع عشر. وحظي أبي نادر بإشادة واسعة النطاق لنجاحه في إدارة أزمة كورونا، وحملاته الصارمة لمكافحة الفساد الحكومي، وقيادته لواحد من أسرع الاقتصادات نمواً في المنطقة بفضل الانتعاش القياسي لقطاع السياحة والاستثمار.

الخاتمة

إن وصول هؤلاء القادة اللاتينيين من أصول عربية إلى أعلى مناصب السلطة ليس مجرد مصادفة تاريخية، بل هو شهادة حية على العمق والاندماج الحقيقي الذي حققته الجاليات العربية في مجتمعاتها الجديدة. فمن السهول الشاسعة في الأرجنتين إلى الشواطئ الاستوائية في الكاريبي، تحول أبناء المهاجرين الشوام من وافدين جدد يبحثون عن الأمان والعمل إلى مهندسي السياسات الوطنية ورؤساء دول. ورغم تباين توجهاتهم السياسية، واختلاف إرثهم بين المصلح الاقتصادي، والشعبوي، والقائد الأمني، إلا أن وجودهم المشترك يبرز أمريكا اللاتينية كمنطقة ديناميكية متعددة الثقافات، استطاعت فيها الهجرة العربية أن تصنع تاريخاً وتعتلي عروش السلطة بامتياز.



قادة من ورق وعزيمة: الرؤساء والقادة اللاتينيون من أصول عربية