وطن بعيد عن الوطن: الشتات الفلسطيني في تشيلي

تجوّل في بعض أحياء سانتياغو وستلاحظ أمراً غير متوقع لبلد يبعد نحو عشرة آلاف كيلومتر عن بلاد الشام: أعلام فلسطينية معروضة بوضوح على الشرفات، وحروف عربية إلى جانب الإسبانية على واجهات المحال، وشعور عام بأن هذا الخيط من الهوية الشرق أوسطية ليس أمراً غريباً هنا — بل هو ببساطة جزء من نسيج المدينة. تحتضن تشيلي أكبر جالية فلسطينية خارج الشرق الأوسط نفسه، يُقدَّر عددها بأكثر من نصف مليون نسمة، نتيجة أكثر من قرن من الهجرة المستمرة.

الموجة الأولى: الفرار من الحكم العثماني

وصل أوائل المهاجرين الفلسطينيين إلى تشيلي في أواخر القرن التاسع عشر، وكانوا في الغالب عائلات مسيحية من بلدات مثل بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، فارّين من التجنيد الإجباري والضائقة الاقتصادية تحت الحكم العثماني. ومثل كثير من مهاجري بلاد الشام في أمريكا اللاتينية آنذاك، أُطلق عليهم خطأً لقب "توركوس" بسبب جوازات السفر العثمانية التي كانوا يحملونها، وهو خطأ في التسمية استمر لأجيال رغم عدم صلته بأي أصل تركي فعلي.

بدأ هؤلاء المهاجرون الأوائل عادة كتجار متجولين، يطوفون من باب إلى باب لبيع الأقمشة والسلع المنزلية، قبل أن يؤسسوا تدريجياً محلات دائمة، ثم لاحقاً بعضاً من أهم الأعمال العائلية في تشيلي. تلتها موجات هجرة أخرى طوال القرن العشرين، وتسارعت بشكل خاص بعد نكبة عام 1948 ومرة أخرى بعد عام 1967، إذ دفع التهجير المزيد من العائلات الفلسطينية للبحث عن الاستقرار في الخارج.

النادي الفلسطيني الرياضي: أكثر من مجرد فريق كرة قدم

ربما لا شيء يجسّد اندماج الجالية وفخرها مثل نادي "ديبورتيبو بالستينو"، النادي الرياضي الاحترافي الذي أسسه مهاجرون فلسطينيون في سانتياغو عام 1920. تنافس النادي في أعلى مستويات كرة القدم التشيلية لعقود، وقد جعله قميصه — الذي تضمّن أحياناً خريطة فلسطين التاريخية — أحد أكثر الرموز تعريفاً بالهوية الفلسطينية في أي مكان في الشتات، مما أثار ولاءً جماهيرياً قوياً وأحياناً جدلاً سياسياً. بالنسبة لكثير من الشباب التشيليين من أصل فلسطيني، فإن دعم النادي هو بقدر ما هو تشجيع رياضي، فعل استمرارية ثقافية.

الأعمال والسياسة والمؤسسات الثقافية

يمتد التأثير الاقتصادي للجالية الفلسطينية التشيلية إلى ما هو أبعد من أي قطاع واحد. بنت عائلات من أصل فلسطيني أعمالاً بارزة في التجزئة والمنسوجات والعقارات، وأنجبت الجالية عدداً من أعضاء الكونغرس الوطني التشيلي، إضافة إلى عمد ووزراء وقادة أعمال ما زالوا مرتبطين بشكل واضح بتراثهم. أما "النادي الفلسطيني"، وهو مؤسسة اجتماعية وثقافية في سانتياغو منفصلة عن النادي الرياضي، فقد ظل لعقود نقطة تجمّع لحفلات الزفاف والفعاليات المجتمعية وجهود الحفاظ على الثقافة، مما يساعد الأجيال الأصغر على الحفاظ على صلتها بالهوية الفلسطينية حتى بعد أجيال عدة من الهجرة.

جالية لم تفقد هويتها رغم الاندماج الكامل

ما يجعل قصة الجالية الفلسطينية التشيلية لافتة بشكل خاص هو مدى حفاظها على هوية متميزة رغم أنها أصبحت في الوقت ذاته تشيلية عميقة الجذور بلا لبس. فأحفاد الجيلين الرابع والخامس، الذين لا يتحدثون العربية ولم يزوروا المنطقة يوماً، غالباً ما يعرّفون أنفسهم بقوة بتراثهم الفلسطيني، وهي ظاهرة تعززها شبكات عائلية ممتدة قوية، ومنظمات مجتمعية، ومؤسسات تعمل بنشاط على إبقاء الصلة حية بدلاً من تركها تتلاشى مع كل جيل.

بالنسبة للزوار من العالم العربي، تقدّم سانتياغو شيئاً غير معتاد فعلاً: مكان يبعد آلاف الكيلومترات عن الشرق الأوسط، حيث لا يُتذكَّر التراث الفلسطيني فحسب، بل يُحتفى به بنشاط، حيث قد تكشف محادثة عابرة في محل محلي عن تاريخ عائلي يعود إلى قرية محددة في الضفة الغربية، وحيث أمضت جالية بأكملها أكثر من مئة عام تثبت أن البعد لا يعني بالضرورة الانقطاع.


وطن بعيد عن الوطن: الشتات الفلسطيني في تشيلي