الجليد الزاحف: العلم وراء نهر بيريتو مورينو الجليدي
بالنسبة لمن اعتاد اتساع الصحارى العربية، فإن الإحساس أمام منظر طبيعي لا نهاية له قد يكون مألوفًا. في الصحراء، يصنع الصمت والامتداد شعورًا عميقًا بالرهبة والتأمل في عظمة الخلق. وعلى بعد آلاف الكيلومترات، عند أطراف قارة أمريكا الجنوبية، يوجد مشهد يبعث الإحساس نفسه، لكن بدلًا من بحر من الرمال، يمتد أمام العين بحر هائل من الجليد الأزرق. في قلب باتاغونيا الأرجنتينية، داخل منتزه لوس غلاسياريس الوطني، يقع نهر بيريتو مورينو الجليدي، أحد أشهر الأنهار الجليدية في العالم وأكثرها إثارة. إنه ليس مجرد كتلة جليدية ساكنة، بل نهر متحرك ببطء، يتشقق وينهار ويعيد تشكيل نفسه باستمرار.
حجم يصعب تصوره
لفهم عظمة بيريتو مورينو، علينا أولًا النظر إلى أبعاده. ينحدر النهر الجليدي من حقل الجليد الباتاغوني الجنوبي، أحد أكبر حقول الجليد خارج القارتين القطبيتين. يبلغ طول بيريتو مورينو نحو 30 كيلومترًا، ويصل عرضه عند الجبهة إلى نحو خمسة كيلومترات. أما جدار الجليد الذي يواجه بحيرة أرخنتينو، فيرتفع في بعض مناطقه إلى أكثر من 60 مترًا فوق سطح الماء. لكن الجزء المرئي ليس سوى جانب من الكتلة الحقيقية، فالجليد يمتد أيضًا عشرات الأمتار تحت سطح البحيرة. وتغطي الكتلة الجليدية مساحة تزيد على 250 كيلومترًا مربعًا تقريبًا. عند الوقوف أمام هذا الجدار الأزرق الضخم، يصبح الإنسان واعيًا بصورة مباشرة بحجم القوى الطبيعية التي شكلت تضاريس باتاغونيا عبر آلاف السنين.
هل يتقدم فعلًا؟
يُقدَّم بيريتو مورينو كثيرًا باعتباره واحدًا من الأنهار الجليدية القليلة في العالم التي لا تزال «تتقدم». لكن الصورة العلمية أدق قليلًا. فالنهر الجليدي ظل لفترات طويلة في حالة توازن نسبي؛ أي أن كمية الجليد التي تصل إلى مقدمته كانت تقارب في بعض الفترات كمية الجليد التي يفقدها بسبب الذوبان والانهيار. وهذا جعله مختلفًا عن معظم الأنهار الجليدية الأخرى في باتاغونيا والعالم التي شهدت تراجعًا واضحًا خلال العقود الأخيرة. لكن هذا لا يعني أنه محصن ضد تغير المناخ أو أنه يتقدم باستمرار بلا توقف. فموضع جبهته يتغير، وتظهر الدراسات الحديثة أن استقراره التاريخي لا ينبغي اعتباره ضمانًا دائمًا للمستقبل.
لماذا حافظ على استقراره؟
ترتبط الظاهرة بموقعه الجغرافي ونظام المناخ في جنوب باتاغونيا. فالرياح الغربية القادمة من المحيط الهادئ تحمل كميات كبيرة من الرطوبة. وعندما تصطدم هذه الكتل الهوائية بجبال الأنديز، ترتفع وتبرد، فتسقط كميات ضخمة من الثلوج على حقل الجليد الباتاغوني. وتغذي هذه الثلوج المتراكمة النهر الجليدي من أعلاه. ثم يتحرك الجليد ببطء نحو الشرق بفعل الجاذبية ووزنه الهائل. وفي الطرف الأمامي، يفقد النهر الجليدي الجليد عن طريق الذوبان والانفصال إلى البحيرة. وعندما تتقارب كمية الجليد الجديدة مع كمية الجليد المفقودة، يبدو موضع الجبهة مستقرًا نسبيًا، حتى وإن ظل الجليد نفسه يتحرك باستمرار.
سمفونية الانهيار الجليدي
بيريتو مورينو ليس مكانًا صامتًا. فالجليد يتحرك ويضغط ويتشقق طوال الوقت. وقد يسمع الزائر أصوات فرقعة حادة، ثم دويًا عميقًا يشبه الرعد. هذه الأصوات تنتج عن تشقق الكتل الجليدية تحت ضغط الحركة ودرجة الحرارة. ومن أكثر الظواهر إثارة ما يعرف باسم التكسر أو الانفصال الجليدي Calving. في بعض اللحظات، تنفصل كتل كبيرة من الجبهة وتسقط في بحيرة أرخنتينو. وقد تكون بعض هذه الكتل بحجم مبنى صغير. وعندما تصطدم بالماء، تصنع صوتًا هائلًا وأمواجًا قوية تنتشر عبر سطح البحيرة. إنها واحدة من أوضح اللحظات التي يستطيع فيها الإنسان رؤية أن النهر الجليدي ليس جسمًا ثابتًا، بل نظامًا طبيعيًا متحركًا.
دورة الانهيار الكبرى
من أشهر الظواهر المرتبطة ببيريتو مورينو ما يعرف باسم التمزق أو الانهيار الكبير Rupture. أحيانًا تتقدم الجبهة الجليدية حتى تصل إلى شبه جزيرة ماجالانيس في الجهة المقابلة من البحيرة. عندها تغلق أحد الممرات المائية وتشكل ما يشبه سدًا طبيعيًا من الجليد. ويبدأ منسوب المياه في ذراع من البحيرة يعرف باسم برازو ريكو في الارتفاع. ومع زيادة فرق مستوى الماء، يزداد الضغط على الحاجز الجليدي. تبدأ المياه في النهاية في العثور على مسارات داخل الجليد وتوسيعها تدريجيًا حتى يتكون نفق ضخم. ومع استمرار تدفق المياه، يكبر النفق وتضعف القنطرة الجليدية التي تعلوه. وفي النهاية ينهار السقف في مشهد هائل من الجليد والماء. هذه الظاهرة لا تحدث وفق جدول ثابت. فقد تمر عدة سنوات بين دورة وأخرى، وقد تطول المدة أكثر من ذلك. ولهذا فإن حدوثها يجذب اهتمام العلماء والزوار على حد سواء.
التأمل في نظام طبيعي معقد
بالنسبة للقارئ العربي، قد تحمل مشاهدة بيريتو مورينو معنى يتجاوز المشهد السياحي. فهي مناسبة للتفكر في الطريقة التي تعمل بها عناصر الطبيعة معًا: الثلج، والرياح، والحرارة، والجاذبية، والمياه، والضغط. ويمكن ربط ذلك بمفهوم التفكر في الثقافة الإسلامية؛ أي النظر في الكون وتأمل نظامه وتعقيده. كما تطرح المنطقة سؤالًا مهمًا عن الأمانة والمسؤولية تجاه البيئة. فحتى لو حافظ بيريتو مورينو على قدر من الاستقرار لفترة أطول من كثير من الأنهار الجليدية الأخرى، فإن حقل الجليد الباتاغوني الجنوبي عمومًا يتأثر بالاحترار العالمي. وحماية هذه النظم لا تتعلق فقط بالحفاظ على مشهد جميل، بل أيضًا بحماية مخزون مائي وتوازن بيئي يمتد تأثيره إلى مناطق واسعة.
الخاتمة
نهر بيريتو مورينو الجليدي هو مشهد يجمع بين الزمن العميق والحركة المستمرة والحجم الهائل. فهو يتقدم ويتراجع ويخسر الجليد ويكتسبه في نظام معقد لا يتوقف. وسواء كان الزائر يستمع إلى فرقعة الجليد، أو يشاهد كتلة ضخمة تنفصل وتسقط في البحيرة، أو يقف صامتًا أمام الجدار الأزرق، فإن التجربة تمنحه إحساسًا مباشرًا بقوة الطبيعة. ومثل الصحارى الواسعة، تذكرنا هذه الكتلة الجليدية بأن بعض أعظم مشاهد الأرض لا تحتاج إلى بناء بشري لكي تثير الدهشة.