واحات السلام: أكثر الدول أمانا في أمريكا اللاتينية

عندما تتناول العناوين الدولية أخبار أمريكا اللاتينية، فإنها غالبا ما تركز على الاضطرابات السياسية، والجريمة المنظمة، والعنف الحضري. ورغم أن بعض المناطق تواجه بالفعل تحديات أمنية كبيرة، فإن تعميم هذه الصورة على القارة بأكملها يُعد تبسيطا غير دقيق. فأمريكا اللاتينية منطقة واسعة ومتنوعة، وداخل هذا الامتداد توجد دول تُصنَّف باستمرار بين أكثر الدول سلاما وأمانا في العالم. ومن خلال النظر إلى مؤشرات مثل مؤشر السلام العالمي، ومعدلات جرائم القتل، ومستوى الاستقرار المؤسسي، تتضح صورة أكثر توازنا عن أكثر الدول أمانا في أمريكا اللاتينية؛ وهي دول تمثل واحات سلام لمواطنيها، والمستثمرين الأجانب، والمقيمين الدوليين على حد سواء.

أوروغواي: واحة الجنوب بلا منازع

عند الحديث عن الدولة الأكثر أمانا في أمريكا الجنوبية، تبدأ المحادثة غالبا بأوروغواي وتنتهي بها. فهذه الدولة الصغيرة، الواقعة بين عملاقي المنطقة، البرازيل والأرجنتين، تعمل وفق إيقاع اجتماعي مختلف جذريا عن كثير من دول الإقليم. وتتصدر أوروغواي باستمرار مؤشر السلام العالمي في أمريكا الجنوبية.

يكمن سر أمان أوروغواي في بنيتها الاجتماعية العميقة. فهي تضم أكبر طبقة وسطى في الأمريكتين، وتتمتع بمستويات شديدة الانخفاض من الفقر المدقع، إضافة إلى مؤسسات ديمقراطية قوية وشفافة. كما أن الفساد يكاد يكون محدودا للغاية مقارنة بالمعايير الإقليمية، مما يعزز الثقة العامة في الشرطة والنظام القضائي. وتُعد الجرائم العنيفة نادرة، ولا سيما خارج بعض الأحياء المحددة في العاصمة مونتيفيديو. وبالنسبة إلى السكان والزوار، تقدم أوروغواي نمط حياة هادئا وآمنا بصورة استثنائية، حيث يكون القلق اليومي أقرب إلى حالة الطقس منه إلى الأمن الشخصي.

كوستاريكا: نموذج «بورا فيدا»

بالانتقال إلى أمريكا الوسطى، وهي منطقة عانت تاريخيا من الصراعات الأهلية، تبرز كوستاريكا بوصفها استثناء لافتا. وغالبا ما تُوصف بأنها «سويسرا أمريكا الوسطى»، وقد اتخذت قرارا تاريخيا وغير مسبوق في عام 1948، عندما ألغت جيشها دستوريا. وبدلا من إنفاق الموارد على جيش دائم، وُجهت الأموال إلى التعليم العام، والرعاية الصحية الشاملة، وحماية البيئة.

وقد أثمر هذا الاستثمار الكبير في رأس المال البشري نتائج مذهلة. فاليوم، تُعد كوستاريكا أكثر دول أمريكا الوسطى أمانا. والشعار الوطني الشهير «بورا فيدا»، أي «الحياة النقية»، ليس مجرد عبارة تسويقية، بل يعكس ثقافة حقيقية تميل إلى السلام وتجنب الصراع. ورغم أن السرقات الصغيرة قد تكون مشكلة في بعض المدن الساحلية التي تشهد كثافة سياحية، فإن معدلات الجريمة العنيفة منخفضة بصورة لافتة. كما أن الديمقراطية المستقرة في البلاد والتزامها بالرعاية الاجتماعية يخلقان بيئة يشعر فيها المتقاعدون الأجانب والرحالة الرقميون بأمان كبير.

تشيلي: قوة المؤسسات وسيادة القانون

رغم أن تشيلي شهدت فترة من الاحتجاجات الاجتماعية القوية في عام 2019 وما تبعها من تعديلات سياسية، فإنها لا تزال واحدة من أكثر دول أمريكا اللاتينية أمانا واستقرارا من حيث الأسس العامة. وتكمن قوة تشيلي في ترسخ سيادة القانون وفاعلية مؤسساتها.

تتمتع قوة الشرطة الوطنية، المعروفة باسم «الكارابينيروس»، بقدر واسع من الاحترام، كما أنها أقل عرضة بكثير لأنماط الفساد المؤسسي المنتشرة في بعض الدول المجاورة. ونتيجة لذلك، تحافظ تشيلي على واحد من أدنى معدلات جرائم القتل في نصف الكرة الغربي. وتعمل العاصمة سانتياغو، من حيث السلامة العامة، بصورة قريبة من المدن الأوروبية الكبرى. ورغم ضرورة أن يتخذ الزوار احتياطات حضرية عادية ضد النشل في المناطق المزدحمة، فإن خطر الجريمة العنيفة أو الاختطاف يكاد يكون ضئيلا من الناحية الإحصائية.

الأرجنتين: أمان حضري وسط اضطرابات اقتصادية

قد يثير إدراج الأرجنتين ضمن قائمة الدول الآمنة بعض الاستغراب لدى من يركزون فقط على التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها البلاد، مثل التضخم المزمن وتراجع قيمة العملة. غير أن هناك فرقا أساسيا يجب الانتباه إليه بين عدم الاستقرار الاقتصادي وانعدام الأمن الجسدي. فمن حيث الجريمة العنيفة، تُعد الأرجنتين آمنة إلى حد كبير.

فمعدل جرائم القتل في البلاد منخفض بصورة ملحوظة، ويقع ضمن أدنى المعدلات في الأمريكتين إلى جانب تشيلي وأوروغواي. وعلى الرغم من أن بوينس آيرس مدينة مترامية الأطراف تضم ملايين السكان، فإنها تُعد على نطاق واسع واحدة من أكثر المدن الكبرى أمانا في نصف الكرة الغربي للمشي ليلا. فالثقافة الاجتماعية فيها نشطة للغاية، حيث تبقى العائلات والأصدقاء في المقاهي والحدائق العامة حتى ساعات متأخرة بعد منتصف الليل، مما يخلق رقابة اجتماعية طبيعية تردع الجريمة العنيفة. ورغم أن الضغوط الاقتصادية أدت إلى زيادة في السرقات الانتهازية، فإن مستوى الأمان الجسدي الأساسي للمواطنين لا يزال قويا.

بنما: المركز الآمن للأمريكتين

استفادت بنما من موقعها الجغرافي الفريد لتصبح مركزا ماليا ولوجستيا في أمريكا اللاتينية. وحماية هذه المكانة تتطلب بيئة آمنة بدرجة عالية، ولهذا استثمرت الحكومة البنمية بكثافة في ضمان الأمن.

ونظرا لأن قناة بنما تمثل شريانا حيويا للتجارة العالمية، تستفيد البلاد من جهاز أمني قوي ومكثف. وتُعد مدينة بنما عاصمة حديثة وعالمية الطابع، تضم مناطق مالية وأحياء سكنية راقية تخضع لرقابة أمنية واضحة. إضافة إلى ذلك، تسعى بنما بنشاط إلى جذب المتقاعدين الأجانب من خلال برنامج «المتقاعدين». ولحماية هذه الفئة المهمة اقتصاديا، تحافظ الحكومة على حضور أمني قوي في الوجهات الشائعة بين المقيمين الأجانب، مثل بوكيتي وكورونادو، مما يجعل الجريمة العنيفة نادرة للغاية.

فهم الفروق الدقيقة: الجريمة العنيفة مقابل السرقات الصغيرة

لفهم مستوى الأمان في هذه الدول اللاتينية بدقة، ينبغي التمييز بين الجريمة العنيفة والسرقات الصغيرة. تتميز الدول المذكورة أعلاه لأنها نجحت إلى حد كبير في تجنب أنماط العنف المنهجي المرتبط بالعصابات المنظمة، ومعدلات جرائم القتل المرتفعة التي تعاني منها أجزاء أخرى من نصف الكرة الغربي. ومع ذلك، فإن كلمة «آمنة» لا تعني «خالية من الجريمة».

ففي معظم مدن أمريكا اللاتينية تقريبا، حتى الأكثر أمانا مثل مونتيفيديو أو سانتياغو، تبقى جرائم الشوارع الانتهازية واقعا قائما. وتشمل هذه الجرائم خطف الهواتف المحمولة بسرعة، والنشل في وسائل النقل العام، وسرقة الممتلكات من السيارات غير المراقبة. والنصيحة الشائعة في هذه الدول هي عبارة كولومبية انتشرت إقليميا: «لا تعطِ البابايا»، وهي تعني ببساطة ألا تجعل نفسك هدفا سهلا من خلال إظهار مجوهرات باهظة أو ترك مقتنياتك الثمينة دون مراقبة.

الخاتمة

إن الرواية التي تصور أمريكا اللاتينية باعتبارها منطقة خطرة بالكامل هي خرافة مضرة وغير دقيقة. فدول مثل أوروغواي، وكوستاريكا، وتشيلي، والأرجنتين، وبنما تثبت أن السلام والاستقرار وجودة الحياة المرتفعة أمور قابلة للتحقق داخل المنطقة. والخيوط المشتركة التي تجمع بين هذه الواحات الآمنة واضحة: مؤسسات ديمقراطية قوية، واستثمارات في المساواة الاجتماعية، ومستويات أقل من الفساد، وثقافة عامة تميل إلى السلام. وبالنسبة إلى كل من يرغب في السفر أو الاستثمار أو الانتقال إلى أمريكا اللاتينية، تقدم هذه الواحات السلمية بيئات آمنة للغاية لاكتشاف الثقافة الغنية والجغرافيا المذهلة التي تقدمها القارة.

واحات السلام: أكثر الدول أمانا في أمريكا اللاتينية